أسعار الغذاء بين الاختلالات المحلية والضغوط العالمية
الاقتصاد اليوم:
تشهد سوريا ارتفاعاً مستمراً في أسعار المواد الغذائية نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية، أبرزها الاختلالات في الإنتاج والبنية التحتية، إلى جانب الضغوط العالمية الناتجة عن أزمات التوريد وارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرات التغير المناخي على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.
وتنعكس هذه العوامل مباشرة على القدرة الشرائية للأسر السورية، ما يجعل تأمين القوت اليومي تحدياً متزايداً.
وفي هذا السياق، ذكرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) أن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت في آذار الماضي بشكل ملحوظ، بسبب ارتفاع كلفة الطاقة المتأثرة بتصاعد الصراع في الشرق الأوسط.
وسجل متوسط مؤشر أسعار الغذاء للمنظمة، الذي يقيس التغيرات في سلة من السلع الغذائية المتداولة عالمياً، 128.5 نقطة في آذار، مرتفعاً بنسبة 2.4 بالمئة مقارنة بالشهر السابق.
اعتماد الاستيراد وضعف الإنتاج
أوضح الخبير الاقتصادي والمصرفي، الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن سوريا تعتمد اليوم على الاستيراد لتغطية جزء كبير من احتياجاتها الغذائية، بعد أن كانت سابقاً مكتفية ذاتياً في محاصيل رئيسة مثل القمح والخضار والفواكه.
وقال قوشجي إن تراجع الإنتاج الزراعي خلال السنوات الماضية، وخروج مساحات واسعة من الأراضي عن الخدمة، وضعف البنية التحتية، كلها عوامل جعلت البلاد أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.
ومع انخفاض قيمة الليرة السورية وارتفاع تكاليف النقل والطاقة محلياً، يصبح أي ارتفاع عالمي في الأسعار مضاعفاً عند وصوله إلى السوق السورية.
وأشار إلى أن المنتجات المحلية لم تسلم من موجة الغلاء، إذ ارتفعت تكاليف إنتاجها بفعل زيادة أسعار الأسمدة والبذور والمحروقات، ونقص اليد العاملة الزراعية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل.
وأضاف قوشجي أن ارتفاع الأسعار في سوريا نتاج تفاعل معقد بين الضغوط العالمية والاختلالات الداخلية في الإنتاج والبنية التحتية والأسواق، ما يضاعف من تحديات القدرة الشرائية للأسر.
واعتبر أن قرارات منع الاستيراد تمثل أحد العوامل التي أسهمت في ارتفاع الأسعار داخل سوريا.
ولفت إلى أن هذه القرارات، رغم هدفها المتمثل في حماية الإنتاج المحلي، غالباً ما تؤدي إلى تقليل المنافسة في السوق وخلق فجوات في المعروض، ما يشجع على الاحتكار لدى عدد محدود من التجار. كما تزيد من تكاليف الصناعات الغذائية المحلية وتحد من قدرتها على توفير منتجات بأسعار مناسبة، وفي حال عدم قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الطلب، تتحول سياسة منع الاستيراد إلى عامل ضغط إضافي على الأسعار.
غياب التخطيط الزراعي
رأى قوشجي أن غياب الدراسات الزراعية يمثل أحد الأسباب الجوهرية لعدم استقرار الإنتاج الغذائي في سوريا. فغياب التخطيط العلمي يؤدي إلى سوء توزيع المحاصيل بين المناطق، وعدم معرفة الاحتياجات الحقيقية للسوق، وضعف إدارة الموارد المائية، وعدم تطوير سلاسل القيمة الزراعية بما يشمل التخزين والنقل والتصنيع. كما ينعكس هذا الغياب على غياب رؤية واضحة لدعم المحاصيل الاستراتيجية، ما يجعل الإنتاج الزراعي عرضة للتذبذب ويزيد من احتمالات حدوث فجوات غذائية.
ويُلخّص قوشجي أسباب ارتفاع أسعار الغذاء في سوريا ضمن محورين رئيسيين:
المحور الخارجي: يرتبط بارتفاع الأسعار على الصعيد العالمي، وزيادة تكاليف الشحن والطاقة، وتقلبات الأسواق الدولية.
المحور الداخلي: يشمل تراجع الإنتاج الزراعي، وضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع قيمة العملة المحلية، وسياسات منع الاستيراد، إلى جانب غياب الدراسات الزراعية، ووجود الاحتكار، وضعف الرقابة.
حلول لتخفيف الأزمة
يظهر أن ارتفاع أسعار الغذاء في سوريا ناتج عن تفاعل بين عوامل عالمية لا يمكن التحكم بها، وعوامل داخلية يمكن معالجتها عبر سياسات أكثر مرونة وتخطيط علمي. ومن هذا المنطلق، يرى قوشجي أن الحلول تتطلب رؤية شاملة لإعادة التوازن إلى السوق، تشمل:
إعادة هيكلة السياسة الزراعية عبر تحديد المحاصيل الاستراتيجية، ودعم مستلزمات الإنتاج، وتطوير شبكات الري لتحسين الإنتاجية.
فتح الاستيراد بشكل مدروس عند وجود فجوات في الإنتاج، لتخفيف الضغط على الأسعار والحد من الاحتكار.
إطلاق دراسات وطنية للغذاء والزراعة لفهم احتياجات السوق وتوجيه الإنتاج بشكل علمي.
تشجيع الاستثمار في القطاع الزراعي والصناعات الغذائية، وتطوير سلاسل التوريد، وتحسين التخزين والنقل، وتقليل الفاقد بعد الحصاد.
اعتماد برامج دعم موجهة للأسر الأكثر هشاشة لضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي.
تأثير الأسعار العالمية
من جانبه، رأى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن أي ارتفاع عالمي في أسعار المواد الغذائية سينعكس مباشرة على السوق السورية، كون سوريا تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد جزء من احتياجاتها الغذائية، خاصة في ظل تراجع الإنتاج الزراعي المحلي بسبب الجفاف وارتفاع تكاليف المدخلات.
وأضاف سليمان لصحيفة “الثورة السورية” أن تقديرات “فاو” تشير إلى أن أكثر من نصف سكان سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، مع احتمال ارتفاع العدد إلى أكثر من 14 مليون شخص نتيجة تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار. وأوضح أن ارتفاع الأسعار يدفع الأسر إلى تقليل استهلاك الغذاء أو الاعتماد على مواد أقل جودة، مما ينعكس سلباً على الصحة العامة.
وأشار إلى أن تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي، ودعم الفلاحين، وتحسين سياسات الاستيراد يمثل خطوات أساسية للتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار، والمساهمة في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الغذائي في البلاد.
ارتفاعات إضافية متوقعة
قال كبير الاقتصاديين في “فاو”، ماكسيمو توريرو، إن زيادات أسعار الغذاء منذ بداية الصراع كانت متواضعة، مدفوعة أساساً بارتفاع أسعار النفط ومخففة بفضل وفرة الإمدادات العالمية من الحبوب.
وأضاف أن استمرار الصراع لأكثر من 40 يوماً وارتفاع كلفة المدخلات قد يدفع المزارعين لتقليل المدخلات أو زراعة مساحات أقل أو تغيير المحاصيل، ما سيؤثر على الغلة المستقبلية والمعروض الغذائي وأسعار الغذاء لبقية هذا العام والعام المقبل.
وكشفت تقارير “فاو” عن ارتفاع مؤشر أسعار الزيوت النباتية بنسبة 5.1 في المئة خلال آذار الماضي مقارنة بشباط، ليصبح أعلى بنسبة 13.2 في المئة عن مستواه قبل عام.
وشهدت الأسعار العالمية لزيت النخيل وفول الصويا وعباد الشمس والكانولا ارتفاعاً، ما يعكس الآثار غير المباشرة للزيادات الحادة في أسعار النفط الخام، والتي حفزت توقعات بزيادة الطلب على الوقود الحيوي.
كما صعد مؤشر أسعار اللحوم بنسبة 1.0 في المئة عن الشهر السابق، نتيجة ارتفاع أسعار لحوم الأبقار العالمية، خصوصاً في البرازيل، حيث تقلصت الإمدادات القابلة للتصدير بسبب انخفاض توافر الماشية. وارتفع مؤشر أسعار الألبان بنسبة 1.2 في المئة، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار مسحوق الحليب، فيما قفز مؤشر أسعار السكر بنسبة 7.2 في المئة خلال مارس، مع زيادة استهلاك البرازيل، المصدر الرئيسي للسكر، لمزيد من قصب السكر لإنتاج الإيثانول لمواجهة ارتفاع أسعار النفط الخام.
وأدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والغاز بأكثر من 50 في المئة خلال آذار الماضي، ما رفع كلفة الإنتاج الزراعي والنقل، خصوصاً للحبوب مثل القمح والذرة. وحذر برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار الصراع قد يرفع عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع الحاد إلى مستويات كارثية.
وحذرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) في وقت سابق من احتمال انضمام نحو خمسة ملايين شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي في البلدان العربية متوسطة ومنخفضة الدخل، نتيجة تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وارتفاع أسعار الغذاء العالمية.
صحيفة الثورة السورية












