أول فاتورة بعد رفع تعرفة الكهرباء تصدم المواطنين.. وزارة الطاقة ترفض التعليق
الاقتصاد اليوم:
مع صدور أول فاتورة كهرباء بعد قرار وزارة الطاقة رفع تعرفة الكيلوواط الساعي بنسبة وصلت إلى 600 بالمئة، وجد المواطنون أنفسهم أمام فواتير فاقت قيمتها قدراتهم الشرائية ورواتبهم.
وتفاجأ العديد من المشتركين بأرقام فاتورة الدورة السادسة لعام 2025، التي تجاوزت توقعاتهم. وتُعد هذه الفاتورة الأولى بعد تطبيق قرار الزيادة، الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من تشرين الثاني 2025.
ورغم أن القرار كان جزءاً من خطة إصلاحية تهدف إلى تحسين قطاع الكهرباء، إلا أن الواقع جاء مخالفاً لتوقعات كثير من المواطنين.
وبموجب القرار، أصبحت تعرفة الكهرباء مقسمة إلى أربع شرائح، حيث بلغ سعر الكيلوواط في الشريحة الأولى حتى 300 كيلوواط 6 ليرات جديدة (600 ليرة قديمة = 5,2 سنتات من الدولار)، وهي مدعومة بنسبة 60 بالمئة من تكلفة الإنتاج.
أما الشريحة الثانية التي تشمل الاستهلاك الأعلى فوصلت إلى 14 ليرة جديدة (1,400 ليرة قديمة = 12,2 سنتاً) للكيلوواط. فيما خُصصت الشريحة الثالثة المعفاة من التقنين للمؤسسات الحكومية والشركات الصناعية والتجارية بسعر 17 ليرة جديدة (1,700 ليرة قديمة= 14.8 سنتاً) للكيلوواط، في حين بلغت الشريحة الرابعة المخصصة للمعامل الضخمة 18 ليرة جديدة (1,800 ليرة قديمة= 15.7 سنتاً) للكيلوواط.
وبحسب تصريحات رسمية، تبلغ تكلفة الكيلوواط الواحد نحو 15 سنتاً (دون احتساب رسوم الاستيراد والهدر)، بينما كان المواطن يدفع في الاستهلاك المنزلي أقل بكثير من هذه التكلفة، ما تسبب بخسائر كبيرة للدولة في القطاع الكهربائي تتجاوز 75 مليون دولار شهرياً.
ويستهلك القطاع المنزلي 59 بالمئة من الاستهلاك الكلي للكهرباء في سوريا، والقطاع الصناعي 17 بالمئة، والقطاع الحكومي 30 بالمئة، وكان مجانياً سابقاً.
الفواتير والدخل
أعرب العديد من المواطنين الذين التقتهم صحيفة “الثورة السورية” عن استيائهم من الفواتير التي فاقت توقعاتهم، مؤكدين أن هذا الارتفاع لا يتناسب مع دخلهم.
وقالت رنا، موظفة في القطاع العام بدمشق، إن فاتورة الكهرباء الخاصة بها عن الدورة السادسة لعام 2025 ارتفعت إلى أكثر من عشرة أضعاف ما كانت عليه في الدورات الماضية، لتصل إلى 130 ألف ليرة جديدة (13 مليون ليرة قديمة)، متسائلة: “كيف يمكن لموظف براتب متواضع أن يتحمل مثل هذه الزيادة؟”.
وأعرب عمر القاضي، القاطن في حي التضامن، عن استغرابه من ارتفاع الفواتير رغم ضعف التغذية الكهربائية، قائلاً إن الكهرباء لا تتوافر إلا وفق نظام خمس ساعات قطع مقابل ساعة وصل، وأشار إلى الاضطرار للاشتراك في كهرباء “الأمبيرات” الخاصة، متسائلاً: “أي عامل أو موظف يستطيع العيش في ظل هذا الغلاء الفاحش وهذه الظروف القاسية؟”.
وفي بعض مناطق الساحل السوري، تراوحت فواتير الاستهلاك المنزلي بين ستة آلاف و12 ألف ليرة جديدة (600 ألف ومليون و200 ألف ليرة قديمة)، ما زاد من شعور المواطنين بالعجز المالي.
كما اشتكى بعض المواطنين في عدد من مراكز الجباية في دمشق من احتساب الاستهلاك القديم وفق السعر الجديد، لتتجاوز الفواتير المنزلية 100 ألف ليرة جديدة في بعض الحالات (10 ملايين ليرة قديمة).
ولم يكن أصحاب التعرفة وفق الشريحة الثالثة أفضل حالاً، إذ يقول علي عبد الله، صاحب مكتب تجاري في دمشق، إن فاتورة الكهرباء ارتفعت خلال دورة واحدة إلى نحو أكثر من ثلاثة أضعاف ما كان يدفعه سابقاً، ووصلت قيمتها إلى 50 ألف ليرة جديدة (خمسة ملايين ليرة قديمة). وأضاف: “هذا عبء غير محتمل، ولا أعرف إن كنت قادراً على دفع فواتير مماثلة في الدورات القادمة”.
واشتكى أبو سلطان، صاحب ورشة في ريف دمشق، من ارتفاع فاتورة استهلاكه الكهربائي أكثر من 50 ضعفاً مقارنة بالدورات السابقة، لتصل إلى أكثر من 500 ألف ليرة جديدة (50 مليون ليرة قديمة)، مؤكداً أنه لا يملك حالياً هذا المبلغ.
وتواصلت صحيفة “الثورة السورية” مع وزارة الطاقة للحصول على تعليق بشأن الشكاوى، إلا أن الوزارة أفادت بعدم وجود أي تصريح حول هذا الموضوع في الوقت الحالي.
الأسعار وضرورة الإصلاح
رأى الخبير السياسي والاقتصادي المهندس باسل كويفي، أن رفع تعرفة الكهرباء كان ضرورياً لتغطية التحديات الكبيرة التي يواجهها قطاع الكهرباء، لكن رغم ذلك، من الضروري إعادة النظر في الأسعار لتخفيف العبء عن المواطنين، وخاصة في ظل الفارق الكبير بين الدخل والأسعار.
وأوضح كويفي أن عدم رفع الأسعار كان سيؤدي إلى استمرار أزمة الكهرباء وتفاقمها بشكل أكبر، مضيفاً أن معاناة السوريين من ارتفاع فاتورة الكهرباء، يقابلها تحديات كبيرة تتعلق بتوليد الكهرباء وتأهيل المحطات وشبكات النقل والتوزيع، مؤكداً أنه في حال عدم رفع الأسعار فإن الكهرباء لن تتوفر بسهولة.
وأشار كويفي إلى أن سوريا بحاجة إلى استثمارات كبيرة في قطاع الطاقة، وأن الحكومة تعمل على توفير الكهرباء التي تُعد من ركائز التنمية وخطط إعادة الإعمار.
استثمارات داعمة
أكد كويفي أن السوريين عانوا كثيراً من سياسات النظام المخلوع، ويحق لهم اليوم أن ينعموا بخيرات وثروات بلدهم، مشيراً في هذا الإطار إلى ضرورة أن تلجأ الحكومة إلى استثمارات داعمة للاستقرار والدفع قدماً بجهود التعافي وإعادة الإعمار في سوريا، وتسهيل جهود توفير الكهرباء والطاقة والمياه وخدمات الصرف الصحي والاتصالات والنقل والصحة والتعليم وتحقيق العدالة الاجتماعية في دعم الفئات الأكثر حاجة.
ودعا إلى التفكير في بدائل لتوليد الكهرباء بشكل مستدام، لافتاً إلى أن سوريا تمتلك العديد من الإمكانيات التي يمكن استغلالها لتحسين قطاع الكهرباء، لا سيما بعد استعادة السيطرة على حقول النفط والغاز في شمال شرق سوريا.
وأوضح أن أولى هذه البدائل تتمثل في إعادة تأهيل محطات الكهرباء القديمة، مثل محطة الفرات الكهرومائية التي تضم ثماني عنفات.
وأوضح أنه في حال تحديث هذه العنفات يمكن توليد ما بين 800 و1600 ميغاواط خلال مدة لا تتجاوز عامين، وبتكلفة لا تزيد عن 25 سنتاً من الدولار للكيلوواط الساعي.
وتطرق كويفي إلى الطاقة المتجددة كأحد الحلول الممكنة، مشيراً إلى أن مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يمكن أن تولد أكثر من 1000 ميغاواط بأسعار منافسة تُقدر بنحو 25 سنتاً أميركياً للكيلوواط الساعي.
كما أشار إلى إمكانية توليد الكهرباء عبر إعادة تدوير النفايات، وهو حل يتطلب إقامة مشاريع ضمن المحافظات، ويمكن أن يوفّر ما لا يقل عن 350 ميغاواطاً، لافتاً إلى أن هذه المشاريع لا تقتصر فوائدها على الطاقة فقط، بل تسهم أيضاً في تقليل النفايات والحد من الضرر البيئي.
ولفت كويفي إلى أن إعادة تفعيل شبكات الربط الكهربائي مع دول الجوار تشكل جزءاً مهماً من الحل، إذ يتيح هذا الربط إمكانية استيراد وتصدير الكهرباء بين الدول، ما يسهم في سد احتياجات الدول المصدّرة للطاقة وزيادة الإيرادات، والاستفادة من شبكة إقليمية تدعم احتياجاتها وتوفر منافذ تصديرية، بما يسهم في رفع الإيرادات من رسوم العبور.
ورغم التحديات التي تواجه تحصيل الكهرباء من الشبكة المحلية، يرى كويفي أن الحلول المستدامة تعتمد على استثمار الإمكانيات الطبيعية والبنية التحتية المتاحة بشكل فعّال.
الثورة
|
تعليقات الزوار
|
|












