اختلالات سوق العمل.. فجوة تتسع بين الإنتاج والوظائف الرقمية
الاقتصاد اليوم:
تشهد سوق العمل في سوريا تغيرات متسارعة أعادت تشكيل مفهوم “الوظيفة” وأنماط الدخل، في ظل ضغوط اقتصادية متراكمة وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية.
ومع توسّع العمل عبر الإنترنت كمصدر دخل إضافي، برزت أنماط تشغيل جديدة خارج الأطر التقليدية، ما انعكس على قطاعات الإنتاج، ولا سيما الصناعة والزراعة. وفي هذا السياق، تتقاطع العوامل الاقتصادية والاجتماعية في رسم ملامح مرحلة تتبدل فيها أولويات التشغيل وتتسع فيها الفجوات بين الاحتياجات وفرص العمل المتاحة.
عوامل بنيوية وظرفية
دفع الواقع المعيشي الصعب، شريحة من الشباب إلى أنماط عمل خارج الأطر التقليدية، حيث اتجه بعضهم إلى أعمال يومية غير منظمة، فيما اختار آخرون العمل عبر الإنترنت بحثاً عن دخل رقمي يخفف من ضغوط المعيشة.
في المقابل، أدت التغيرات في سوق العمل إلى اتساع فجوة فرص التشغيل، مع تراجع حضور العمالة في بعض المعامل والحقول، وتزايد الاعتماد على أعمال مؤقتة أو رقمية بعيداً عن قطاعات الإنتاج، ما يثير تساؤلات حول انعكاس ذلك على مستقبل الصناعة والزراعة في سوريا.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد الضحيك،أن تراجع النشاط الصناعي يرتبط بتداخل مجموعة من العوامل البنيوية والظرفية، وفي مقدمتها اختلال بيئة الإنتاج نتيجة الارتفاع الكبير في تكاليف الطاقة، حيث باتت الكهرباء والوقود يشكلان عاملاً معيقاً للعملية الإنتاجية أكثر من كونهما داعماً لها، ما دفع عدداً من المنشآت العامة والخاصة إلى تقليص نشاطها أو التوقف بشكل كامل.
وأضاف أن الصناعة تعاني من ارتفاع أسعار المواد الأولية وصعوبة تأمينها نتيجة تقلبات سعر الصرف، وتعقيدات الاستيراد، وضعف سلاسل التوريد. كما أن تراجع الطلب المحلي بفعل انخفاض القوة الشرائية للمواطنين لعب دوراً حاسماً، إذ لم تعد الأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج حتى في حال توافره.
أما على المستوى البنيوي، بحسب الضحيك، فهناك مشكلات متراكمة تتعلق بتقادم الآلات، وضعف الاستثمار، والبيروقراطية، وغياب الحوافز الفعالة، ما أدى إلى تراجع تنافسية القطاع الصناعي، لا سيما في القطاع العام الذي يعاني من قيود إدارية ومالية تحدّ من قدرته على التكيّف.
وتطرق الخبير إلى التحول نحو العمل غير الرسمي والمؤقت، كنتيجة لضعف قدرة الاقتصاد الرسمي على توليد فرص عمل مستقرة. ومع تراجع القطاعين الصناعي والخدمي المنظم، اتجهت شريحة واسعة من القوى العاملة، لا سيما الشباب، إلى أنماط عمل مرنة لكنها غير محمية، مثل العمل اليومي، والتجارة الصغيرة، والخدمات الفردية.
وأدى هذا التحول إلى تفكك بنية الدخل، إذ أصبحت الدخول غير مستقرة ومتذبذبة، إلى جانب تآكل الطبقة الوسطى نتيجة غياب الأجور الثابتة والضمانات، وارتفاع مستوى الهشاشة الاجتماعية بسبب غياب التأمينات الاجتماعية والصحية.
وتابع: “بمعنى آخر، نحن أمام انتقال من اقتصاد يوفر حداً أدنى من الاستقرار إلى اقتصاد يعتمد على البقاء اليومي”.
واقع أم أزمة؟
رأى الضحيك أن الاقتصاد غير الرسمي في سوريا أصبح مكوّناً أساسياً من النشاط الاقتصادي والمعيشي في ظل الظروف الحالية، ويوفّر هذا القطاع مصدر دخل لملايين الأسر، وبالتالي لا يمكن التعامل معه كظاهرة يجب القضاء عليها، وإنما كواقع يتطلب إدارته وتنظيمه تدريجياً.
وأوضح أن تنظيم هذا القطاع ممكن ضمن شروط محددة، منها تبسيط الإجراءات الضريبية والترخيص، وتقديم حوافز للاندماج بدلاً من فرض قيود، وضمان عدم تحميل العاملين أعباءً مالية تفوق قدرتهم. وأشار إلى أن أي محاولة لدمجه بشكل قسري قد تؤدي إلى فقدان مصادر رزق واسعة، ما يستدعي اعتماد مقاربة مرنة وتدريجية.
نقص العمالة الماهرة
تضيف الخبيرة الاقتصادية والتنموية الدكتورة زبيدة القبلان، بعداً آخر للصورة، محذّرة من أن انجذاب الشباب إلى العمل الرقمي “السهل” مادياً قد يفرغ البلاد من طاقتها الإنتاجية الحقيقية.
وترى أن توجه الشباب إلى “وظائف الإنترنت” بهدف تحسين الدخل بالعملة الصعبة أسهم في نقص حاد في العمالة الماهرة داخل المعامل وفي الأراضي الزراعية، ما يعني فقدان الفنيين والخبراء الذين يشكلون أساس أي نهضة اقتصادية.
كما حذرت من أن بقاء كبار السن فقط في الحقول والمصانع يهدد استمرارية هذه المهن مستقبلاً، فالشباب هم من ينقلون التكنولوجيا ويطورون أساليب العمل، وبغيابهم تبقى الصناعة والزراعة بأساليب تقليدية.
وأوضحت القبلان أن الأموال الناتجة عن العمل الرقمي تسهم في دعم دخل الأسر، لكنها لا تنعكس على بناء قاعدة إنتاجية، ما يجعل الاقتصاد أكثر اعتماداً على مصادر خارجية.
الإنترنت مسار مكمل
يرى الخبير الضحيك أن العمل الرقمي (عن بعد) يشكّل فرصة حقيقية، إلا أنه لا يُعد حتى الآن بديلاً شاملاً لسوق العمل التقليدي في سوريا. ورغم تمكن شريحة من الشباب من تحقيق دخل عبر الإنترنت، يبقى أثر هذا النمط محدوداً نتيجة ضعف البنية التحتية الرقمية، لا سيما الإنترنت والكهرباء، إلى جانب صعوبات الوصول إلى وسائل الدفع الدولية، ونقص المهارات الرقمية المتقدمة لدى شريحة واسعة، فضلاً عن غياب بيئة تنظيمية داعمة.
وعليه، يمكن اعتبار العمل عبر الإنترنت مساراً مكملاً وليس بديلاً، مع إمكانية توسيع دوره في حال الاستثمار بالبنية التحتية والتعليم الرقمي.
وأشار إلى أن الأولويات الاقتصادية اللازمة لإعادة التوازن إلى سوق العمل، تتطلب مقاربة شاملة تقوم على ترتيب عدد من المسارات، وفي مقدمتها إعادة تشغيل عجلة الإنتاج، إذ لا يمكن خلق فرص عمل مستدامة من دون إنتاج، ما يستدعي دعم القطاع الصناعي، خصوصاً عبر تخفيض تكاليف الطاقة وتأمين مستلزمات الإنتاج.
ويأتي في المرتبة الثانية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها الأسرع قدرة على توليد فرص العمل، من خلال توفير تمويل ميسر وبيئة تنظيمية مرنة، ثم إصلاح السياسات الاقتصادية بما يشمل استقرار سعر الصرف، وتبسيط الإجراءات، وتحسين بيئة الاستثمار.
ويضاف إلى ذلك تعزيز الحماية الاجتماعية لضمان الحد الأدنى من الاستقرار، ولا سيما للفئات الأكثر هشاشة والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، وفق الضحيك.
وبذلك، تبدو إعادة النظر في سوق العمل وتحولاته ضرورة ملحة في ظل التطور التكنولوجي، بما يفتح نقاشاً حول دور الجهات المعنية، الحكومية والخاصة، لا سيما الاجتماعية منها. وفي هذا السياق، تواصلت صحيفة “الثورة السورية” مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للاستفسار عن دورها في تنظيم سوق العمل وتوجيه الفرص، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد.
وتشير المعالجة العامة للبطالة إلى أن استعادة التوازن في سوق العمل ترتبط بإعادة تشغيل عجلة الإنتاج، بما يهيّئ بيئة تدفع الشباب نحو العمل داخل البلاد ضمن إطار إنتاجي مستقر، بدلاً من التوجه نحو فرص العمل عبر الشاشات.
الثورة












