الذكاء الاصطناعي كمعركة سيادة لا كتقنية عابرة
الاقتصاد اليوم:
بقلم: د.عمار دلول
لم يعد الذكاء الاصطناعي مسألة تقنية يمكن التعامل معها بوصفها تطورًا طبيعيًا في أدوات العصر، بل أصبح أحد أخطر محددات السيادة الحديثة، وأحد أكثر عناصر إعادة تشكيل القوة والنفوذ في النظام العالمي الجديد. فالدول التي أدركت مبكرًا هذه الحقيقة لم تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمنتج أو برنامج أو منصة، بل كمجال سيادي متكامل يتقاطع فيه القرار السياسي مع التشريع، والاقتصاد مع الأمن، والتعليم مع الهوية، والبيانات مع مفهوم الدولة ذاته.
في هذا السياق، لم تعد الأسئلة الكبرى تدور حول سرعة الخوارزميات أو دقة النماذج، بل حول من يملك حق تعريف الذكاء الاصطناعي، ومن يضع قواعد استخدامه، ومن يرسم حدوده الأخلاقية، ومن يتحكم بالبنية العميقة التي تنتج قراراته. فالمعركة الحقيقية لم تعد على التطبيقات، بل على المرجعيات والمعايير، لأن من يملك المعيار يملك القدرة على التأثير حتى دون امتلاك التطبيق نفسه.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول العربية اليوم ليس التأخر التقني بحد ذاته، بل الوقوع في فخ الاستهلاك المنظم لمنظومات ذكية صُممت وفق قيم وسياقات وتشريعات لا تشبه مجتمعاتنا، ولا تراعي خصوصياتنا، ولا تنسجم مع أولوياتنا التنموية والسيادية. فاستيراد الذكاء الاصطناعي دون امتلاك منطقه ومعاييره هو شكل جديد من أشكال التبعية، أكثر تعقيدًا وأشد أثرًا من التبعية الاقتصادية التقليدية.
ما نشهده عالميًا يؤكد أن الذكاء الاصطناعي بات جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي، وأن الدول التي تتعامل معه كملف تقني منفصل عن الدولة ستجد نفسها لاحقًا خاضعة لقرارات غير مرئية، تصدرها خوارزميات لا تخضع لمساءلتها ولا لسيادتها. فالبيانات اليوم ليست مجرد مورد، بل هي بنية القرار، ومن لا يملك سيادته على بياناته لا يملك سيادته على مستقبله.
من هنا، تصبح الحاجة إلى مشروع عربي جامع في الذكاء الاصطناعي حاجة استراتيجية وجودية، لا ترفًا فكريًا ولا شعارًا إعلاميًا. مشروع يقوم على بناء رؤية مشتركة، وصياغة سياسات مرجعية، وتوحيد المعايير التعليمية والمهنية، وربط الذكاء الاصطناعي بالتنمية الحقيقية لا بالاستخدام الاستعراضي. مشروع يدرك أن بناء القدرات البشرية لا يقل أهمية عن بناء الأنظمة، وأن الاستثمار في العقل العربي هو الطريق الوحيد للخروج من دائرة التبعية الرقمية.
غير أن هذا المشروع لا يمكن أن يُقاد بعقلية تقنية ضيقة، ولا بمنطق المبادرات المجتزأة، بل يحتاج إلى قيادة فكرية استراتيجية قادرة على فهم التعقيد الكامل لهذا التحول، وعلى الربط بين الذكاء الاصطناعي والقانون، والحوكمة، والهوية، والأخلاق، والسيادة. قيادة تدرك أن الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا بطبيعته، وأن تركه دون إطار قيمي وتشريعي واضح هو تنازل غير معلن عن جزء من القرار الوطني.
إن المسؤولية اليوم تقع أولًا على صُنّاع القرار الذين لم يعد لديهم ترف التأجيل أو التجريب غير المحسوب. فالذكاء الاصطناعي لا ينتظر، والتحولات التي يفرضها لا تعطي مهلة للتأقلم المتأخر. وكل دولة لا تبدأ اليوم ببناء إطارها السيادي في هذا المجال، ستُجبر غدًا على التكيف مع أطر صاغها غيرها، وبشروط لا تخدم مصالحها.
نحن اليوم أمام مفترق تاريخي حقيقي: إما أن نكون شركاء في صياغة مستقبلنا الرقمي، أو أن نُختزل إلى مستخدمين داخل أنظمة لا نملك مفاتيحها ولا نفهم منطق قراراتها. والتاريخ، كما علمتنا التجارب الكبرى، لا يُنصف من تأخر عن لحظة التحول، ولا يرحم من تعامل مع التغيير كحدث عابر لا كتحول مصيري.
|
تعليقات الزوار
|
|












