الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية الوطنية: من إثبات الشخصية إلى سيادة القرار
الاقتصاد اليوم:
بقلم الدكتور عمار دلول
لم تعد الهوية الوطنية في العصر الرقمي مجرد وثيقة تعريف، بل غدت بنية سيادية متكاملة تُجسِّد علاقة الفرد بالدولة، وتختصر مسارات الثقة، والأمان، والعدالة، والقدرة على اتخاذ القرار. ومع تسارع التحول الرقمي، لم يعد ممكنًا التفكير في هوية رقمية وطنية بمعزل عن الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد أداة تقنية مساعدة، بل عقلًا منظِّمًا يعيد صياغة مفهوم الهوية من جذوره، ويمنحها بعدًا ديناميكيًا يتجاوز التخزين والتحقق إلى التحليل والتنبؤ وصناعة السياسات.
الهوية الرقمية الوطنية تشكّل العمود الفقري للدولة الذكية، فهي المفتاح الموحد للوصول إلى الخدمات العامة، وضمان استمراريتها، وتنظيم التفاعل بين المواطن والمؤسسات. غير أن هذه الهوية، إذا أُديرت بأنظمة تقليدية، تبقى جامدة، محدودة القدرة على مواكبة تعقيد الواقع الاجتماعي والاقتصادي والأمني. هنا يبرز الذكاء الاصطناعي كقوة تمكينية تحوّل الهوية الرقمية إلى نظام حيّ، قادر على التحقق الذكي متعدد الطبقات، والكشف الاستباقي عن الاحتيال، وتحليل أنماط الاستخدام، وتخصيص الخدمات وفق السياق الفردي والوطني.
إن التكامل الحقيقي بين الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية لا يقتصر على إثبات أن الشخص هو من يدّعي أنه هو، بل يتعداه إلى فهم كيف ولماذا ومتى يتفاعل مع الدولة. فمن خلال خوارزميات التعلم الآلي، تصبح الهوية منصة تحليل متقدمة تدعم اتخاذ القرار العام، وترصد المخاطر قبل تحوّلها إلى أزمات، وتساهم في توجيه الموارد بكفاءة أعلى. هكذا تنتقل الدولة من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي، وتتحول الحوكمة من إدارة ملفات إلى إدارة معرفة.
غير أن أخطر ما في مشاريع الهوية الرقمية الوطنية لا يكمن في تعقيدها التقني، بل في مسألة السيادة على بيانات المواطنين وخوارزميات تحليلها. فالذكاء الاصطناعي الذي يدير هوية الناس هو في جوهره سلطة قرار غير مرئية. ومن دون سيادة رقمية واضحة، قد تتحول الهوية من أداة تمكين إلى أداة ارتهان، ومن ضمانة للحقوق إلى خطر على الخصوصية. لذلك، فإن امتلاك الدولة لخوارزمياتها، وبنيتها التحتية، وأطرها القانونية، ليس خيارًا تقنيًا، بل ضرورة سيادية تمس جوهر الأمن الوطني.
وتبقى الثقة هي العامل الحاسم في نجاح أي هوية رقمية وطنية. فالمواطن لا يمنح بياناته لنظام لا يفهمه أو لا يثق به. من هنا، تصبح أخلاقيات الذكاء الاصطناعي عنصرًا بنيويًا لا مكمّلًا شكليًا. الشفافية في القرار الخوارزمي، وحماية الخصوصية، وضمان المساءلة القانونية، ومنع التحيّز، كلها شروط أساسية لبناء منظومة هوية تحترم الإنسان قبل أن تديره. فالذكاء الاصطناعي لا يكون ذكيًا بحق إلا إذا كان عادلًا، قابلًا للتفسير، وخاضعًا للمحاسبة.
وعندما تُصمَّم الهوية الرقمية الوطنية بعقلية تنموية، لا رقابية، تتحول إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي والشمول الاجتماعي. فهي قادرة على توجيه الدعم إلى مستحقيه بدقة، وتسهيل الشمول المالي، وتقليص الفساد، وتحسين كفاءة الخدمات العامة، وخلق بيئة رقمية عادلة تتيح الابتكار وتكافؤ الفرص. في هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا للمواطن لا رقيبًا عليه، وأداة خدمة لا أداة ضبط.
إن الهوية الرقمية الوطنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ليست مشروعًا تقنيًا يُنجَز بمنصة أو عقد، بل قرارًا استراتيجيًا يعكس رؤية الدولة لنفسها ولمواطنيها ولمستقبلها. هي اختبار لقدرة الدولة على الجمع بين التكنولوجيا والسيادة، وبين الكفاءة والعدالة، وبين الابتكار والثقة. وفي عالم تُدار فيه الدول بالبيانات، تصبح الهوية الرقمية الذكية أكثر من إثبات للشخصية؛ إنها إثبات لسيادة القرار، ونضج الدولة، واستعدادها لصناعة مستقبلها بوعي ومسؤولية.
|
تعليقات الزوار
|
|












