الراتب زاد أربعة أضعاف.. لكنه ما زال يشتري ثلث الحاجة
الاقتصاد اليوم:
خلال أقل من عام، شهد الحد الأدنى للأجور تحولات جذرية في سوريا، إذ ارتفع من نحو 279,000 ليرة في النصف الأول من عام 2025 إلى 1,256,000 ليرة بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026.
ونص المرسوم على رفع الحد الأدنى العام للأجور والحد الأدنى لأجور المهن لعمال القطاع العام الخاص والتعاوني والمشترك غير المشمولة بأحكام القانون الأساسي للعاملين بالدولة رقم 50 لعام 2004 وتعديلاته ليصبح 12,560 ليرة جديدة (1,256,000 ليرة قديمة) شهرياً، بدلاً من 7,500 ليرة (750,000 ليرة قديمة).
ورغم أهمية زيادة الحد الأدنى للأجور، التي بلغت 350 بالمئة من خلال مرسومين متتاليين في أقل من عام، إلا أنها تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول مدى قدرتها على مواكبة التضخم، وما إذا كانت تشكل بداية مسار إصلاحي فعلي، أم مجرد استجابة جزئية لواقع اقتصادي أكثر تعقيداً.
في هذا الإطار، قال الباحث الاقتصادي الدكتور حسن غرّة،، إن الزيادة في الحد الأدنى للأجور ضرورية، لكنها في الوقت نفسه غير كافية بمفردها لمواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة.
ووفقاً لأسعار الصرف الحالية، يعادل الحد الأدنى الجديد أكثر من 100 دولار شهرياً، ما يمثل تحسناً ملحوظاً بلغ أكثر من 400 بالمئة مقارنة بنحو 19 دولاراً خلال فترة النظام المخلوع، عندما كان الحد الأدنى للأجور نحو 279,000 ليرة، وسعر صرف الدولار يقارب 15,000 ليرة.
وتأتي الزيادة وسط استقرار نسبي في سعر صرف الليرة ما يمنحها أهمية إضافية، لكن في ضوء التضخم، الذي لا يزال مرتفعاً رغم تراجعه من 120.6 بالمئة إلى 36.8 بالمئة بين آذار 2024 وشباط 2025، تظل هذه الزيادة محدودة من حيث تأثيرها الفعلي على القوة الشرائية، وفق غرة.
وكان حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، قال في تصريح سابق إن السياسة النقدية المشددة التي تبناها المصرف، والتي تميزت بعدم تمويل عجز الموازنة لأول مرة في تاريخ البلاد، أسهمت في تحقيق استقرار نسبي بسعر الصرف خلال السنة الأولى من الإصلاحات الاقتصادية، كما ساعدت على خفض معدل التضخم من أكثر من 115 بالمئة إلى نحو 14–15 بالمئة في عام 2025، وهو ما انعكس مباشرة على الأسعار في الأسواق.
ورأى غرة أن المحرك الرئيس للتضخم في سوريا يتمثل في قطاعي الطاقة والسكن، اللذين يشكلان نحو 58 بالمئة من إجمالي الضغوط التضخمية، مشيراً إلى أن هذه الزيادة في الأجور لا تعالج بشكل مباشر مشكلات هذين القطاعين.
خط الفقر
نص المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026 على زيادة الرواتب والأجور المقطوعة بنسبة 50 بالمئة للعاملين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام وسائر الوحدات الإدارية، وجهات القطاع العام متضمنة علاوة الترفيع المستحقة بموجب القانون رقم 50 لعام 2004، وكذلك جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن 50 في المئة من رأسمالها.
وجاءت هذه الزيادة بعد أشهر من المرسوم الرئاسي رقم 102 لعام 2025، الذي أقر زيادة بنسبة 200 بالمئة على الرواتب والأجور المقطوعة لكل من العاملين المدنيين والعسكريين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام وسائر الوحدات الإدارية، وجهات القطاع العام وكذلك جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن 50 بالمئة من رأسمالها.
لكن تكاليف المعيشة تواصل التفوق على نمو الدخل، فعلى الرغم من الإجراءات والسياسات الرامية إلى تعزيز القدرة الشرائية، تغطي مستويات الأجور الحالية نحو ثلث الاحتياجات الأساسية للأسر فقط، وفق برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.
وأوضح غرة أن زيادة الحد الأدنى للأجور تُخرج الأفراد من نطاق الفقر المدقع، لكنها لا تكفي لتحسين الظروف المعيشية بشكل مستدام. ووفقاً للحسابات التفصيلية، فإن 100 دولار شهرياً تعني أن الدخل اليومي يبلغ نحو 3.33 دولار يومياً، وهو ما يتجاوز عتبة الفقر المدقع التي حددها البنك الدولي بثلاثة دولارات يومياً، إلا أن هذا المبلغ لا يزال دون خط فقر الدول متوسطة الدخل، الذي يبلغ 4.20 دولار يومياً.
والأهم من ذلك، وفق غرة، أن هذا المبلغ يُفترض أن يعيل أسرة، وليس فرداً واحداً، في حين لا تزال أسعار السلع الأساسية مرتفعة بشكل يجعل الأجر غير كافٍ لتوفير حياة كريمة.
ويشير إلى أن الزيادة تُخرج الفرد من الفقر المدقع نظرياً، لكنها لا تكفي لضمان حياة كريمة، إذ لا يزال الدخل غير متناسب مع تكلفة المعيشة.
تحديات مرتقبة
رغم التحسن الاسمي للأجور، حذر غرة من وجود خطر محدود لتأثير هذه الزيادة على التضخم، ويعود ذلك إلى عاملين رئيسيين: أولاً، ضعف القطاع الخاص وقيوده، إذ إن معظم الزيادة تخص القطاع العام، بينما يعتمد جزء كبير من الإنتاج على مدخلات مستوردة، ما يجعل التضخم في سوريا مرتبطاً أكثر بأسعار الصرف منه بالطلب المحلي. ثانياً، الفجوة الكبيرة بين الأجور والأسعار، حيث لا تزال الأجور متأخرة عن مستويات الأسعار، فضلاً عن انخفاض الطلب الكلي في الاقتصاد السوري بشكل كبير.
إضافة إلى ذلك، تحدث الخبير الاقتصادي عن خطر محتمل آخر، يتمثل في أن توقعات التجار بتحسن القدرة الشرائية قد تدفعهم إلى رفع الأسعار استباقياً، ما قد يُلغي أثر الزيادة على القوة الشرائية، وأضاف: “إذا ارتفعت الأسعار بشكل غير مبرر نتيجة توقعات التجار، فقد نجد أنفسنا مرة أخرى في الحلقة المفرغة التي شهدناها في السنوات السابقة”.
التحسن المستدام
أكد غرّة أن الزيادة وحدها لا تكفي لمعالجة الوضع المعيشي للمواطن بشكل دائم.
وأوضح أن تحقيق تحسّن مستدام، يتطلب تبني حزمة من السياسات الاقتصادية المتكاملة التي تواكب هذه الزيادة. ومن أبرز هذه السياسات، وفقاً للباحث الاقتصادي:
استقرار سعر الصرف: عبر ربط الليرة السورية بآلية مرنة ومدعومة، بما يسهم في تخفيف الضغوط التضخمية والحفاظ على القيمة الحقيقية للأجر.
دعم السلع الأساسية بشكل مستهدف: من خلال توجيه الدعم الحكومي إلى الفئات الأكثر هشاشة، بدلاً من اعتماد دعم شامل يستنزف الموارد.
إعادة تشغيل الإنتاج المحلي: عبر دعم القطاعين الصناعي والزراعي لزيادة العرض المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، خاصة أن التضخم في سوريا يُعد أساساً تضخماً عرضياً وليس طلبياً.
إصلاح منظومة الطاقة: إذ يشكّل قطاع الطاقة جزءاً كبيراً من الضغوط التضخمية، وأي إصلاح في تسعير الكهرباء والوقود سينعكس مباشرة على خفض التضخم.
تفعيل برامج الحماية الاجتماعية: من خلال إنشاء شبكات أمان موجهة للأسر الفقيرة لسد الفجوة بين الأجور واحتياجاتها اليومية.
كما شدد غرّة على أهمية بناء اقتصاد منتج، قائلاً: “الزيادة في الأجور وحدها لا تكفي إذا لم نتمكن من تحسين الاقتصاد بشكل مستدام. الزيادة ليست عبثية، لكنها بحاجة إلى تكامل مع سياسات تركز على الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وإعادة تشغيل المصانع لتحقيق الاكتفاء الذاتي، لا سيما في القطاع الغذائي”.
وأضاف: “الراتب لا يُقاس بعدد الأصفار، بل بما يشتريه من الخبز واللحم والدواء”.
وأشار إلى أن زيادة الأجور تبقى خطوة ضرورية، لكن لا يمكن أن تكون الحل الوحيد. ولتحقيق تحسّن مستدام في مستوى معيشة المواطنين، لا بد من تنفيذ حزمة من السياسات الاقتصادية التي تعمل على استقرار الأسعار، ودعم الإنتاج المحلي، وتعزيز القدرة الشرائية للمواطن على المدى الطويل.
الثورة












