الاقتصاد اليوم ـ تغطية شاملة للأخبار الاقتصادية على مدار اليوم

 

الرواتب في سوريا بين خيارين: إعادة هيكلة جذرية.. أم زيادات تدريجية؟

الاقتصاد اليوم:

تتواصل النقاشات الاقتصادية حول مستقبل الرواتب والأجور في سوريا، في ظل توجه حكومي يعتمد مساراً تدريجياً في الإصلاح يوازن بين الإمكانات المالية ومتطلبات العدالة الوظيفية وحماية القدرة الشرائية، وبين رؤى خبراء واقتصاديين يدعون إلى إعادة هيكلة شاملة لسلم الأجور وربطه بشكل مباشر بمستوى المعيشة ومؤشرات التضخم. وتبرز في هذا السياق مقاربات متعددة تتناول آليات الزيادة، ومصادر التمويل، وانعكاسات ذلك على الإنتاج والاستقرار الاقتصادي.

وأكد وزير المالية محمد يسر برنية، في تصريح سابق، أن سياسة الأجور في عام 2027 ستعتمد على ربط الزيادات بمؤشرات غلاء المعيشة ومعدلات التضخم وتغير مؤشر أسعار المستهلك، ضمن توجه حكومي يضع تحسين المستوى المعيشي في صدارة الأولويات.

وأوضح برنية أن منظومة الرواتب ستتضمن زيادتين سنويتين، الأولى عامة مرتبطة بتكلفة المعيشة، والثانية تعتمد على تقييم أداء الموظف ضمن نظام جديد يجري العمل عليه في وزارة التنمية الإدارية.

وكانت الحكومة السورية قد رفعت في عام 2025 رواتب الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة والمتقاعدين بنسبة 200 بالمئة، ثم صدر مرسوم آخر في 2026 بزيادة أجور العاملين بنسبة 50 بالمئة، في حين نص المرسوم 68 على زيادات نوعية للعاملين في وزارات الصحة، التعليم العالي والبحث العلمي، التربية والتعليم، والأوقاف، إضافة إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، الجهاز المركزي للرقابة المالية، هيئة الطاقة الذرية، ومصرف سوريا المركزي.

كما شهد الحد الأدنى للأجور تحولات جذرية في سوريا بعد التحرير، إذ ارتفع من نحو 279,000 ليرة قديمة (2,790 ليرة جديدة) في النصف الأول من عام 2025، إلى 750,000 ليرة قديمة (7,500 ليرة جديدة)، ثم إلى 1,256,000 ليرة قديمة (12,560 ليرة جديدة) بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026، أي بزيادة تقارب 350 بالمئة.

هيكلية الرواتب والأجور
في هذا السياق، يدعو أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق الدكتور غسان إبراهيم إلى إعادة النظر جذرياً بهيكلية الرواتب والأجور، بغض النظر عن القوانين السابقة، ومنها قانون العاملين الأساسي.

وقال إبراهيم إن إعادة النظر بسلم الرواتب والأجور، نظرياً، تعني أن يكون الراتب كافياً لتغطية الحاجات الأساسية للمواطن، بما في ذلك الطعام والشراب واللباس والنقل والصحة والإسكان والتعليم، وهي حاجات ضرورية في كل دول العالم.

وأضاف: “يجب أن يكون الحد الأدنى للراتب كافياً لتغطية هذه الحاجات، وتنطلق منه الدولة بغض النظر عن مواردها، فإذا لم تكن الموارد كافية يمكن للحكومة أن تستدين من المصرف المركزي الذي لديه فوائض، وإذا لم يكن هناك فائض أو احتياطي في المركزي، يمكن اللجوء إلى طباعة العملة، ولا خوف من التضخم أو ارتفاع الأسعار، خاصة أن أي ارتفاع سيكون لفترة قصيرة، إذ تشير التجارب إلى أن هذه الفترة قد تستمر نحو ستة أشهر، نتيجة توجه كتلة نقدية كبيرة إلى كمية محدودة من الإنتاج”.

وأوضح إبراهيم أن الحد الأدنى للرواتب والأجور يُعد متغيراً تابعاً، في حين أن المتغير المستقل هو مستوى المعيشة، وهو المعيار الأول. أما المعيار الثاني فهو عدم اضطرار الحكومة إلى الاقتراض من البنوك أو المؤسسات المالية أو من أي جهات أخرى، معتبراً أن هذين المعيارين يشكلان أساس إعادة هيكلة الرواتب والأجور بغض النظر عن إيرادات الدولة.

وأشار إبراهيم إلى حجم الإنتاج أو العرض الكلي في الاقتصاد، متسائلاً عما إذا كان كافياً لتلبية زيادة الطلب بعد تعديل الرواتب والأجور، موضحاً أنه في حال عدم كفايته محلياً يمكن اللجوء إلى الاستيراد مؤقتاً، لكن ذلك يتطلب تحسين مناخ الاستثمار وتسريع جذب الاستثمارات إلى الداخل.

واعتبر أن النظر إلى زيادة الرواتب والأجور باعتبارها إنفاقاً استهلاكياً غير منتج يحتاج إلى مراجعة، موضحاً أن زيادة الطلب، وفق علم الاقتصاد، تعود بالفائدة على المنتجين لأنها تدفع نحو رفع حجم الإنتاج من حيث الكم والنوع، وتحقق لهم عوائد مناسبة. وأضاف أن زيادة الرواتب والأجور لا تؤدي بالضرورة إلى التضخم وارتفاع الأسعار فقط، بل يمكن أن تشكل أيضاً عاملاً محفزاً لزيادة الإنتاج وتنشيط المبيعات.

تنشيط الطلب المحلي
من جهته، يرى المحلل الاقتصادي سامر مصطفى، أن الرواتب والأجور تُعد من أبرز الأدوات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر بشكل مباشر في مستوى معيشة المواطنين واستقرار المجتمع، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وما يرافقها من ارتفاع مستمر في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية، مشيراً إلى أن زيادة الحد الأدنى للرواتب والأجور أصبحت ضرورة ملحة.

وأوضح مصطفى أن رفع الحد الأدنى للأجور يسهم في تحسين المستوى المعيشي للأسر السورية، إذ يساعد العاملين والموظفين على تلبية احتياجاتهم الأساسية من غذاء ودواء وسكن وتعليم، كما يسهم في الحد من معدلات الفقر التي ارتفعت نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاجتماعي ويخفف من المشكلات الاقتصادية التي تواجه الأسر محدودة الدخل.

ومن الناحية الاقتصادية، أشار مصطفى إلى أن زيادة الأجور تؤدي إلى تنشيط الطلب المحلي، إذ يزداد إنفاق المواطنين على السلع والخدمات، ما يحفز حركة الأسواق ويشجع الإنتاج والاستثمار. كما أن تحسين دخل العاملين يرفع مستوى الرضا الوظيفي ويزيد الإنتاجية، لأن العامل الذي يشعر بالأمان الاقتصادي يكون أكثر قدرة على العطاء والالتزام في عمله.

وأضاف أن زيادة الحد الأدنى للأجور تسهم في الحد من هجرة الكفاءات والعمالة الماهرة إلى الخارج، حيث يبحث كثير من الشباب عن فرص عمل توفر دخلاً يتناسب مع متطلبات الحياة، وعندما تصبح الأجور أكثر ملاءمة للواقع الاقتصادي يزداد تمسك الشباب بسوق العمل المحلي وتستفيد البلاد من خبراتهم وقدراتهم.

إلا أن أي زيادة في الرواتب، بحسب مصطفى، ينبغي أن تترافق مع سياسات اقتصادية فعالة للحد من التضخم وضبط الأسعار، حتى لا تفقد الزيادة قيمتها الحقيقية نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة.

كما شدد على أهمية دعم الإنتاج الوطني وزيادة فرص العمل، بما يحقق توازناً بين تحسين دخل المواطنين والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.

الحد الأدنى للأجور
يرى عميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق الدكتور علي كنعان، أن تحديد الحد الأدنى للأجر يُعد ممارسة معمولاً بها في مختلف دول العالم، مشيراً إلى أن الحد الأدنى للرواتب والأجور في سوريا لم يكن، على مدى عقود، كافياً لتغطية ربع احتياجات الموظف.

وأوضح كنعان أن عدداً من الخبراء يركزون على مبلغ 300 دولار كحد أدنى للرواتب والأجور. كما لفت إلى وجود دراسة لصندوق النقد الدولي تتحدث عن حد خط الفقر الأعلى البالغ 2.4 دولار يومياً، أي ما يعادل نحو 350 دولاراً شهرياً، ما يجعل تقديرات خبراء الاقتصاد في سوريا قريبة من هذه الأرقام.

واعتبر أن تحديد الحد الأدنى للأجر عند 350 دولاراً شهرياً يعني توفير مستوى دخل يغطّي الاحتياجات الأساسية ويصون كرامة الموظف ويحدّ من حاجته إلى الدعم الخارجي. وبيّن أن هذا المبلغ يعادل، وفق سعر صرف الليرة الحالي، نحو خمسة ملايين ليرة سورية، وهو ما يراه كافياً لتأمين المتطلبات الأساسية للأسرة السورية.

وأضاف أن الحكومة يمكن أن تنطلق بزيادات متتابعة تشمل أصحاب الكفاءات والخبرات، لتصل إلى مستويات تتراوح بين 2000 و3000 دولار شهرياً.

لكن في الوقت نفسه، يُثار تساؤل حول آلية تمويل كتلة الرواتب والأجور في المرحلة الحالية.

وأشار كنعان إلى أن الدولة يفترض أن تعتمد في المرحلة الحالية على الإصدار النقدي، في ظل كونها في بداية مرحلة انطلاق، حيث لا تتوفر عادة مصادر تمويل كافية، خاصة مع التوجه نحو عدم الاقتراض من الخارج. ويؤكد تأييده لهذا النهج، معتبراً أنه لا يصح اللجوء إلى الاقتراض الخارجي وما يترتب عليه من ديون داخلية، في حين يمكن الاعتماد على الإصدار النقدي، على أن تقوم الحكومة بالاستدانة من المصرف المركزي لفترة مؤقتة، بما يسهم في تحريك عجلة الإنتاج وتنشيط الطلب والعرض.

وأضاف كنعان أنه في حال بقاء العرض محدوداً مقابل ارتفاع الطلب، قد تشهد الأسعار ارتفاعاً، ما يستدعي، بحسب تعبيره، تحريك جانب العرض ودعم الإنتاج. ويقترح في هذا السياق تخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية والآلات المستوردة، إلى جانب تشجيع الإعفاءات الضريبية لفترة محددة، بما يتيح تنشيط بيئة الإنتاج. ومع استجابة العرض لزيادة الطلب، تبدأ عجلة الإنتاج بالدوران تدريجياً، ليُفضي ذلك لاحقاً إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب، وبالتالي المساهمة في خفض معدلات التضخم.

ولفت إلى أن استمرار الفجوة بين العرض والطلب ينعكس باضطراب في مستويات الأسعار، في حين أن الوصول إلى حالة التوازن بين الجانبين يسهم في تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي.

وقدّر كنعان الفجوة بين العرض والطلب بأكثر من 100 تريليون ليرة سورية، موضحاً أن العرض يفوق الطلب في الوقت الحالي، ما يستدعي، بحسب رأيه، تحفيز الطلب عبر زيادات تدريجية. ويرى أن القدرة الإنتاجية جاهزة للتوسع وتشغيل مزيد من الطاقات، بما يتيح توفير السلع لمواكبة ارتفاع الطلب.

وفي هذه الحالة، ينتقل تدريجياً من مستوى إلى آخر بشكل تراكمي، بحيث تؤدي زيادة الأجور إلى رفع الإنتاج وتحسين مستويات الرفاهية، ليصل لاحقاً إلى ما وصفه بـ”اقتصاد الرفاهية”، أي اقتصاد إنتاجي تتراجع فيه المضاربات لصالح الاستثمار في فرص العمل والمشاريع الإنتاجية، وفق كنعان.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

 

تعليقات الزوار
  1. تعليقك
  2. أخبرنا قليلاً عن نفسك