الاقتصاد اليوم ـ تغطية شاملة للأخبار الاقتصادية على مدار اليوم

 

الليرة السورية الجديدة.. بين حماية الحقوق ومخاطر التضخم

الاقتصاد اليوم:

أكد مجلس الإفتاء الأعلى أن حذف الصفرين من العملة الوطنية يُعد إجراءً تنظيمياً وإدارياً بحتاً، ولا يترتب عليه أي تغيير في قيم الالتزامات المالية أو مساس بالحقوق القائمة.

وأوضح المجلس في بيان، أن الديون والعقود والمهور وسائر الالتزامات المالية تبقى محفوظة ومعتبرة شرعاً، على أن تُحوّل حسابياً إلى العملة الجديدة بالقيمة المكافئة دون زيادة أو نقصان، موضحاً أنه ما كان مقداره مئة ألف ليرة يصبح ألف ليرة بالقيمة نفسها، وهكذا سائر العملات.

وأضاف أن عملية تبديل العملة النقدية تتم عبر تسليم العملة القديمة، واستلام القيمة المكافئة بالعملة الجديدة يداً بيد ودون تأجيل ودون زيادة أو نقصان، فيما تنعكس القيم الجديدة تلقائياً على الحسابات البنكية بالقيمة المكافئة.

وشدد مجلس الإفتاء الأعلى على تحريم استغلال عملية الاستبدال للإضرار بالناس، سواء من خلال رفع الأسعار أو الانتقاص من الحقوق، “لما في ذلك من ظلم وأكل لأموال الناس بالباطل”.

وختم المجلس بيانه بالتأكيد على أن استقرار المعاملات المالية مقصد شرعي معتبر، داعياً إلى التعاون بما يعزز الثقة ويحفظ الحقوق ويحقق المصلحة العامة.

آليات حماية الحقوق

 أشاد الخبير الاقتصادي يونس الكريم، بالدور الذي لعبه مجلس الإفتاء الأعلى، واعتبر أن البيان خطوة مهمة في تعزيز الثقة لدى المواطنين وحماية حقوقهم المالية، مشيراً إلى أن البيان يعكس حرص المجلس على المصلحة العامة وتنظيم الشأن النقدي، ويسهم في توضيح القيم المكافئة للديون والعقود، بما يقلل القلق ويعزز نجاح عملية استبدال الليرة السورية الجديدة.

وأكد الكريم أن الأمان المالي للمواطنين يعتمد على نقاط أساسية عدة، بينها الإطار القانوني الواضح لمعالجة تداول العملة الجديدة، وحماية المدخرات من التآكل الناتج عن التضخم وفقدان القدرة الشرائية.

وأشار الكريم أيضاً إلى أهمية معالجة الديون والعقود على المدى المتوسط والبعيد لتعزيز الاستقرار وقبول العملة الجديدة، إلى جانب سهولة عملية الاستبدال والرقابة، مؤكداً أن العملية مدروسة وليست ارتجالية، وتشمل إجراءات واضحة وآليات سحب منظمة، مع منع الشواذ لتعزيز شعور المواطنين بالأمان.

كما شدد الكريم على أن جميع الحسابات البنكية، الودائع، القروض، والرواتب ستتحول تلقائياً إلى القيمة المكافئة دون أي خسارة، مع تبسيط الإجراءات للمواطنين.

وتطرق أيضاً إلى الرقابة والإشراف، عبر متابعة البنك المركزي بالتعاون مع وزارة المالية لضمان سير العملية بسلاسة ومنع التجاوزات.

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، أكد أن جميع أرصدة الحسابات المصرفية والإلكترونية ستكون بالعملة السورية الجديدة، اعتباراً من مطلع الشهر المقبل.

استقرار الأسعار
حول استقرار الأسعار، يرى الكريم أنه “من حيث المبدأ، فإن استبدال العملة لا يغير الأسعار لأن القيمة الاقتصادية تبقى نفسها، لكن على الأرض قد يحدث ارتباك بسبب نقص المعلومات لدى التجار، سوء فهم المواطنين، أو محاولات الاستغلال”.

وأضاف إن هذا قد يدفع البعض للاتجاه نحو الذهب والدولار، ما يضغط على سعر الصرف ويؤثر على قبول الليرة الجديدة، مؤكداً ضرورة وجود رقابة شديدة على الأسواق للحفاظ على الاستقرار.

وبحسب حاكم المصرف المركزي، تُلزم المنشآت بعرض الأسعار بالعملتين القديمة والجديدة خلال فترة الاستبدال لضمان الشفافية وحماية المستهلك، مع إمكانية الدفع بالعملة القديمة أو الجديدة أو بكلتيهما معاً خلال فترة التعايش.

واعتبر الكريم أن “نجاح عملية استبدال العملة يعتمد على تعاون الجميع، مع التركيز على التوعية والشفافية وضمان حقوق المواطنين.

الهدف الأساسي هو حماية الحقوق، استقرار الأسعار، وضمان ثقة المواطن بالعملة الجديدة”.

وشدد على أن استقرار المعاملات وحماية المدخرات ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية واقتصادية، وأن التنفيذ الواضح والمدروس، مع إشراف كامل من الجهات الرسمية، هو الضمان الحقيقي لإنجاح العملية.

ويقول المحلل الاقتصادي سامر مصطفى،: إن أبرز أسباب الارتباك بعد طرح العملة الجديدة ترجع إلى نقص المعلومات لدى المواطنين حول كيفية التعامل معها.

ويؤكد مصطفى أن هناك العديد من السياسات والتدابير التي يمكن اتخاذها لتقليل الارتباك، وتحقيق انتقال سلس من العملة القديمة إلى الجديدة، بينها توفير التوعية للمواطنين.

وأضاف مصطفى: إن ضمان عملية انتقال سلسة يتطلب من الحكومة ووسائل الإعلام العمل معاً على توفير حملات توعية شاملة قبل وبعد طرح العملة، من خلال تنظيم حملات إعلامية واسعة النطاق تشمل وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، لشرح التفاصيل المتعلقة بالعملة الجديدة.

ويشير إلى أن الحملات يجب أن تتضمن شرحاً واضحاً لشكل العملة الجديدة، وقيمتها مقابل العملة القديمة، وآلية التحويل من العملة القديمة إلى الجديدة.

فترة التعايش
أكد المحلل الاقتصادي ضرورة تحديد فترة انتقالية مرنة، إذ إن من أبرز الطرق لتقليل الارتباك تقديم فترة انتقالية تتيح للمواطنين التعود على العملة الجديدة، وخلال هذه الفترة يجب قبول العملتين القديمة والجديدة معاً في جميع المعاملات الاقتصادية، وهو ما يسمى فترة التعايش.

ويرى مصطفى أن من الضروري أن تكون هناك فترة محددة يتم فيها السماح بتداول العملتين (القديمة والجديدة) جنباً إلى جنب، وقد تمتد هذه الفترة لأشهر عدة، ما يسمح للمواطنين بالتحويل التدريجي من العملة القديمة إلى الجديدة، كما يمكن تحديد مواعيد واضحة لتبادل العملة القديمة في البنوك، بما يقلل من الارتباك ويضمن عدم حدوث فوضى عند طرح العملة الجديدة بشكل نهائي.

وبحسب حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، تتعايش العملتان القديمة والجديدة خلال فترة الاستبدال مع تمتعهما بالقوة الإبرائية القانونية ذاتها، وتمتد فترة الاستبدال لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، ويصدر قرار التمديد قبل 30 يوماً من انتهاء المدة المحددة.

ويؤكد الحصرية أن إطلاق العملة الجديدة يأتي في محطة مفصلية من مسيرة الإصلاح النقدي والمالي، في إطار استراتيجية اقتصادية وطنية متكاملة تهدف إلى تعزيز الاستقرار النقدي، وترسيخ الثقة بالاقتصاد الوطني، ودعم مسار التعافي الاقتصادي المستدام.

ويشدد الخبير مصطفى على أهمية تعزيز الثقة بالعملة الجديدة، باعتبار ذلك عاملاً حاسماً في نجاح هذا التحول، إذ قد يكون هناك خوف لدى المواطنين من فقدان قيمة العملة الجديدة أو عدم استقرارها، كما كانت الحال في السنوات الأخيرة.

ويشير إلى ضرورة أن ترافق عملية طرح العملة الجديدة، سياسات نقدية صارمة تهدف إلى استقرار قيمة العملة الجديدة، ويمكن لمصرف سوريا المركزي زيادة الثقة من خلال وضع استراتيجيات واضحة لدعمها، مثل ربطها باحتياطيات من العملات الأجنبية أو تعزيز العلاقات التجارية مع دول أخرى.

واعتبر أن إصدار عملة جديدة يمثل خطوة تنظيمية تهدف إلى إعادة ترتيب حجم النقد المتداول في الأسواق، مع الاحتفاظ بالقيمة الحقيقية للمدخرات والحقوق والالتزامات المالية للأفراد كما هي.

تسهيل إجراءات الاستبدال
الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر، يؤكد ضرورة تسهيل إجراءات الاستبدال، وتنظيم التداول، وحملات التوعية التي تقوم بها الجهات الرسمية تمثل أدوات عملية لتقليل أي ارتباك محتمل في السوق.

ويقول السيد عمر إن توضيح الخطوات والمراحل، مع تقصير فترة تحويل الأوراق القديمة، يضمن تداولاً سلساً ويحد من أي تأثير شكلي على الأسواق، مع الحفاظ على استقرار القوة الشرائية للأموال.

ويشير إلى أن إصدار العملة الجديدة ينعكس فقط على القيم الرقمية للأوراق النقدية، دون أن يغير القيمة الحقيقية للسلع والخدمات، ويرجح أن تشهد الأيام الأولى بعد طرح العملة الجديدة بعض الفوضى في التداول، وهو أمر طبيعي عند أي تبديل نقدي واسع النطاق، لكنه تأثير مؤقت يقتصر على الجانب الشكلي للأرقام، بينما تظل القدرة الشرائية مستقرة نسبياً.

تأثير التضخم
يوضح السيد عمر أن طرح العملة الجديدة يعني تغيير الشكل الورقي للفئات النقدية وأرقامها المطبوعة، ما يسهل التداول اليومي، لكن الخطوة بحد ذاتها لا توفر حماية إضافية للمدخرات، ولا تحد من المخاطر الاقتصادية القائمة.

وأضاف السيد عمر: إن الواقع يظهر بوضوح أن التحدي الأكبر أمام المدخرات هو التضخم المستمر، الذي يقلص القدرة الشرائية للأموال مع مرور الوقت.

وتعهد حاكم المصرف المركزي بالحفاظ على الكتلة النقدية بشكل جيد دون زيادة أو نقصان، وتوفير الليرة السورية في حال زيادة الطلب عليها مقابل القطع الأجنبي، وأضاف: “عيوننا على الأسواق بشكل جيد لضبط سعر الصرف، والأثر المباشر سيكون بعد استبدال العملة وسيلمسها المواطن”.

ويشير السيد عمر إلى أن تبديل الأوراق النقدية لا يخفف هذا التأثير، إذ تظل الأموال معرضة لتآكل قيمتها الفعلية ما لم تُتخذ خطوات عملية لحماية القوة الشرائية، فالتغيير يقتصر على الشكل الورقي للكتلة النقدية وليس على قيمتها الاقتصادية الحقيقية.

ويرى أن العملة السورية الجديدة تمثل خطوة تنظيمية لإعادة ترتيب النقد المتداول، لكنها ليست وسيلة لحماية المدخرات من التضخم أو لتحسين القدرة الشرائية، فالحفاظ على قيمة الأموال يتطلب فهماً للمخاطر الاقتصادية، وإدارة واعية للمدخرات، وتنويعها بين الوسائل المختلفة وفق مدة الاحتفاظ وطبيعة الاحتياجات اليومية.

وتوضح هذه الخطوة النقدية حدود تأثير الاستبدال الورقي على الواقع المالي للمواطن، مؤكدة أن القيمة الحقيقية للأموال تتحدد بالعوامل الاقتصادية الجوهرية لا بشكل الأوراق المتداولة.

المصدر: صحيفة الثورة

تعليقات الزوار
  1. تعليقك
  2. أخبرنا قليلاً عن نفسك