الاقتصاد اليوم ـ تغطية شاملة للأخبار الاقتصادية على مدار اليوم

 

المركزي يمنح مرونة في الحوالات الخارجية.. لكن ماذا عن الإمكانات المتاحة

الاقتصاد اليوم:

مع القرار الجديد الصادر عن مصرف سوريا المركزي بشأن منح المستفيدين من الحوالات الخارجية خيار استلامها بالليرة السورية أو بالقطع الأجنبي، يبرز عنصر “الإمكانات المتاحة لدى الجهة المسلِّمة للحوالة” بوصفه بنداً محورياً في التطبيق العملي للقرار، لما يحمله من تأثير مباشر على قدرة المستفيدين على الحصول على عملاتهم وفق رغبتهم الفعلية.

وبينما يُقدَّم القرار كخطوة نحو تعزيز المرونة في الخدمات المالية، يثير هذا القيد تساؤلات حول حدود هذه المرونة عند مواجهة واقع السيولة وتوفر القطع الأجنبي لدى المصارف وشركات الصرافة والحوالات.

وأصدر مصرف سوريا المركزي، الأحد، قراراً ألزم بموجبه المصارف المرخص لها التعامل بالقطع الأجنبي، وشركات الصرافة، وشركات الحوالات المرخصة، بتسليم جميع الحوالات الواردة عبر شركات التحويل العالمية، ومنها “موني غرام” و”ويسترن يونيون” و”شيفت” وغيرها، بالليرات السورية أو بالقطع الأجنبي، وذلك وفق رغبة المستفيد وبحسب الإمكانيات المتاحة لدى الجهة المسلّمة للحوالة.

كما نص القرار على اعتبار القرار رقم (235/ل) الصادر بتاريخ 21/4/2026 معدلاً بموجب الأحكام الجديدة الواردة فيه.

وأوضح المصرف أن هذا التعديل يأتي في إطار الجهود الرامية إلى تطوير خدمات الحوالات المالية، وتوفير مزيد من الخيارات أمام المستفيدين، بما يسهم في تعزيز جودة الخدمات المالية وتلبية احتياجات المواطنين.

وقال حاكم المصرف المركزي محمد صفوت رسلان، إن المصرف يعمل على تطوير قطاع مالي أكثر مرونة وكفاءة يضع احتياجات المواطنين أولاً ويعزز الثقة بالمصارف والخدمات المالية من خلال توفير خيارات أوسع تلبي تطلعات السوريين في الداخل والخارج.

التحكم بالمستفيد
تعليقاً على القرار، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن خيار تسليم الحوالات الخارجية إما بالليرة السورية أو بالدولار، وفق إمكانيات مُسلِّم الحوالة ووفق آليات “غير شفافة أو أسعار صرف غير واقعية”، يخلق بيئة تسمح بالتحكم بالمستفيد من الحوالة وتحديد قيمة ما يتقاضاه فعلياً.

وأوضح قوشجي أنه عندما لا يُمنح المواطن حرية اختيار العملة التي يستلم بها، أو يُفرض عليه سعر صرف أدنى من السعر السائد في السوق، تتحول الحوالة من وسيلة دعم مالي إلى أداة ضغط اقتصادي.

وحذّر من أن هذه الممارسات تؤدي إلى تراجع الثقة بالقطاع المصرفي، وتدفع شريحة واسعة من السوريين إلى تجنّب القنوات الرسمية واللجوء إلى السوق غير النظامية، ما يضعف تدفقات القطع الأجنبي ويزيد من تشوهات سعر الصرف.

كما تُقوّض قدرة المصارف على لعب دور الوسيط المالي الكفؤ الذي يحمي حقوق العملاء ويقدّم خدمات عادلة، وهو ما ينعكس سلبياً على تطوير القطاع المالي. فالمفهوم المتطور للقطاع المالي يقوم على حرية اختيار العملة دون قيود أو أسعار مفروضة، وشفافية سعر الصرف وربطه بآليات سوق واضحة، إضافة إلى تنوّع خيارات الاستلام والسحب والتحويل، وتعزيز الثقة عبر احترام القيمة الحقيقية للحوالة.

وبالتالي فإن أي سياسة تحدّ من حرية المواطن في تعاملاته المصرفية من سحب وإيداع وتحويل، لا تتوافق مع رؤية قطاع مالي مرن وكفؤ يلبي تطلعات السوريين في الداخل والخارج، ويعزز ثقتهم بالمصارف والخدمات المالية، وفق قوشجي.

مشكلة السيولة
تشكل الحوالات الخارجية ركيزة أساسية لدعم الكثير من السوريين، إذ تُعدّ رافداً وشرياناً يعزز القوة الشرائية ويحرك عجلة الاقتصاد.

وبلغت قيمة الحوالات، بحسب تصريح للحاكم السابق للمصرف المركزي عبد القادر الحصرية، أربعة مليارات دولار خلال عام 2025، وهو رقم يفوق موازنة الدولة للعام ذاته، التي بلغت 3.493 مليارات دولار، بينما بلغ الناتج المحلي 30.6 مليار دولار.

وبحسب البنك الدولي، أصبحت التحويلات “شريان حياة” للعديد من الأسر السورية، بقيمة إجمالية بلغت نحو ثمانية مليارات دولار في 2023.

من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور فراس شعبو، أن القرار خطوة في الاتجاه الصحيح، تعكس أن المصرف المركزي بات يتدارك بعض الأخطاء السابقة.

وأوضح شعبو، أن القرار الجديد يُعد تعديلاً لقرار سابق أصدره المصرف منذ شهرين، مضيفاً أن هذا التعديل يعني ضمنياً أن القرار السابق كان خاطئاً أو أنه يعكس حالة من التخبط الإداري الداخلي.

وانتقد شعبو القرار السابق الذي ألزم بتسليم الحوالات بالليرة السورية في ظل الفارق الكبير بين سعر الصرف في السوق الرسمي والموازي، ما دفع شريحة من المتعاملين إلى اللجوء إلى التحويل عبر قنوات غير رسمية.

وبالانتقال إلى تفاصيل القرار الجديد، يعتقد شعبو أن ربط تسليم الحوالات بالقطع الأجنبي بمدى توفر القطع لدى الجهة المسلِّمة يُعدّ “ذريعة يمكن استخدامها من بعض الأطراف”، بمعنى أن تلك الجهة قد تنفي توفر الدولار، وبذلك يحصل المستفيد على الحوالة بالعملة السورية، أي أن “المشكلة تُحل شكلياً ولا تُحل فعلياً”.

ورأى أن المشكلة الأساسية تتمثل في عدم توفر سيولة دولارية في السوق، إضافة إلى التفاوت بين سعري الصرف الرسمي والموازي.

وبحسب شعبو، فإن هذه الإشكالية لن تكون قائمة في حال توحّد سعر الصرف بين السوق الرسمية والموازية، إذ كان سيتعامل المواطن بالسعر نفسه في جميع الحالات، إلا أن الفارق الكبير بين السعرين يدفعه إلى البحث عن السعر الأفضل له.

وشدد على ضرورة منح حرية في التعامل بالعملة التي يختارها المواطن، لا سيما التاجر الذي يتعامل بالدولار لاستجرار بضاعته.

مرونة مقيدة
من جهته، رأى المحلل الاقتصادي سامر مصطفى، أن القرار الجديد يحمل في طياته أبعاداً اقتصادية متعددة، إذ إن التخلي السريع عن قرار حصر تسليم الحوالات الخارجية بالليرة السورية يشير إلى أن المصرف المركزي يتبنى نهجاً أكثر مرونة في إدارة القطع الأجنبي.

وقال مصطفى  إن القرار يُظهر وعياً حقيقياً بتعقيدات السوق، فمن جهة، يعيد ربط التسليم برغبة المستفيد، بما يمنحه حق اختيار العملة، وهو إجراء يخفف الضغط النفسي والفعلي على حائزي الليرات الراغبين بالحصول على القطع الأجنبي، لا سيما في مجالات الدواء والاستيراد الجزئي أو الادخار.

لكن من جهة أخرى، فإن الاستثناءات الواردة في صيغة “حسب الإمكانات المتاحة لدى الجهة المسلِّمة” تمنح الجهات المالية مساحة للعمل وفق توفر القطع الأجنبي (الدولار واليورو) أو عدمه، بما يحميها من الالتزامات المستحيلة.

وتوقّع مصطفى أن يواجه التطبيق العملي “تحديات لوجستية واضحة” في ظل شح القطع الأجنبي، إذ إن إدراج “الإمكانات المتاحة” كشرط قد يحوّل هذه المرونة إلى “إجراء شكلي” في حال استمرار نقص السيولة الدولارية في خزائن المصارف.

كما أشار إلى أن نجاح هذا التعديل يرتبط عضوياً باستقرار سعر صرف الليرة مقابل العملات الأجنبية، وتحقيق التوازن المطلوب بين السعر الرسمي والموازي.

رغم ذلك، اعتبر مصطفى أن القرار يُعد خطوة استباقية في طريق تحرير القيود المالية، موضحاً أن هذه المرونة الجديدة، حتى وإن كانت محكومة بحالة الحاجة إلى الدولار في البلاد، تمنح المواطن والمستثمر على حد سواء ثقة أكبر في التعامل مع الجهاز المصرفي الرسمي.

وشدد على أن نجاح القرار سيكون مرهوناً بقدرة المصرف على ضمان التزام الجهات المسلِّمة بهذه الرغبات بشكل عادل وفعّال، وبعيداً عن الازدواجية أو التمييز.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

تعليقات الزوار
  1. تعليقك
  2. أخبرنا قليلاً عن نفسك