المعادلة الصعبة... لماذا يرتفع الذهب في سوريا حتى لو استقر عالمياً؟
الاقتصاد اليوم:
تشهد أسواق المعادن الثمينة، لا سيما الذهب، في سوريا تقلبات واضحة في حركة البيع والشراء ومستوى الأسعار، وهو ما يعكس تأثير تداخل عوامل متعددة تشمل التشريعات المحلية وتقلبات سعر الصرف، والتغييرات الضريبية، إلى جانب الأحداث الاقتصادية والسياسية الإقليمية والعالمية.
وسط هذه الظروف، تبرز أهمية الإجراءات المعتمدة لضبط السوق وآليات فحص المشغولات الذهبية، في ظل تحديات تواجه الجهات الرقابية.
وفي هذا الإطار، قال مدير عام الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، مصعب الأسود، إن الهيئة تتواصل بشكل مستمر مع جمعيات الصاغة لتنظيم العمل داخل الأسواق وضمان التزام التجار بالقوانين والأنظمة المحددة.
وتشمل الرقابة مرحلة رسم وتصنيع المصوغات، حتى ضمان دمغ المشغولات بعد التأكد من أنها تحقق المعايير المطلوبة، حيث يتم فحص الذهب والفضة بعناية قبل عملية الوسم لضمان مطابقتهما للمواصفات القياسية السورية.
وأضاف الأسود أن الرقابة لا تهاون فيها، مشيراً إلى تنفيذ جولات يومية روتينية على محال بيع المشغولات الذهبية في مختلف المحافظات السورية. كما لفت إلى أن الهيئة قد استحدثت ضابطة مختصة، تضم مجموعة من العناصر المهنية المدربة على الرقابة في السوق، للتأكد من عدم وجود أي مخالفات سواء كانت تتعلق بالتلاعب في العيارات أو تداول مشغولات ذهبية دون دمغة.
وأكد أن الهيئة تتابع المخالفات بشكل دقيق، إذ يتم إنذار المخالفين في البداية، وفي حال تكرار المخالفة تُتخذ إجراءات أقوى.
وأوضح الأسود أن الرقابة في الهيئة تشمل الذهب والفضة إلى جانب الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة الأخرى. مشيراً إلى وجود مختصين مؤهلين في الهيئة لضمان تطبيق الأنظمة على جميع المواد الثمينة، بدءاً من الذهب وصولاً إلى الأحجار الكريمة، لخلق سوق أكثر تنظيماً وشفافية.
آلية فحص الذهب
بحسب مكتب الدمغة في جمعية الصاغة بدمشق، تُجرى عملية فحص الذهب من خلال استدعاء الحرفي أو صاحب الورشة لأخذ عينات من الإنتاج للتأكد من صحة العيار. وعند مطابقة العيار للمواصفات، يتم دمغ المشغولات الذهبية، أما إذا وُجد أي خلل في العيار، فتُزال الدمغة وتُعاد عملية الضبط والتصحيح.
وتُعد العيارات المتداولة في السوق السورية حالياً عالية الجودة، ويشتهر الذهب السوري بالدقة والسمعة الجيدة في الصناعة.
وتشمل العيارات المعتمدة في سوريا 12 و14 و18 و21 و23.8، والذي يعادل تقريباً عيار 24.
وأوضح المكتب أن الكميات التي تستقبلها الهيئة يومياً للفحص والمعايرة تتراوح بين 5 و20 كيلوغراماً وفق حجم العمل.
انعكاس الحرب
على عكس المعتاد في أوقات الحروب والتوترات الجيوسياسية، أظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية تغيراً في السلوك التقليدي للمستثمرين تجاه ما يُعرف بـ”الملاذات الآمنة”. فابتعد المستثمرون والمضاربون عن الذهب، اللذي طالما اعتبر ملاذاً آمناً، بينما شهد الدولار ارتفاعاً ملحوظاً نتيجة زيادة الطلب.
وتكبد الذهب خسائر للأسبوع الثاني على التوالي، إذ انخفض إلى 5,020 دولار للأوقية (الأونصة)، متأثراً بارتفاع الدولار ومخاوف التضخم الناجمة عن الحرب في إيران، التي كان لها تأثير سلبي على توقعات خفض أسعار الفائدة.
وقال تاي وونج، وهو تاجر معادن مستقل: “على الرغم من استمرار التفاؤل القوي للسوق بشأن الذهب على المدى الطويل مدفوعا بعوامل توزيع الأصول، فإن سعر المعدن النفيس يتراجع تدريجياً نحو أدنى مستوياته منذ بدء الصراع في إيران مع وصول الدولار إلى أعلى مستوياته منذ أربعة أشهر تقريباً”.
وحقق الدولار ارتفاعاً أسبوعياً جديداً، ما جعل الذهب المسعّر بالعملة الأميركية أقل جاذبية لحائزي العملات الأخرى.
وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، تراجعت الفضة في المعاملات الفورية 4.4 بالمئة إلى 80.12 دولار للأوقية. وانخفض البلاتين 4.4 بالمئة إلى 2042.08 دولار، وتراجع البلاديوم 2.9 بالمئة إلى 1570.55 دولار.
أما التأثير على السوق المحلية، فأوضح الأسود أن “التطورات السياسية الأخيرة، خاصة الحرب الإسرائيلية الإيرانية، أثرت بشكل كبير على سوق الذهب في سوريا”، مشيراً إلى أن بداية الحرب شهدت “زيادة غير مسبوقة في الأسعار نتيجة تصاعد الطلب على الذهب كملاذ آمن للمدخرات، وهو ما انعكس مباشرة على الأسعار في السوق المحلية”، قبل أن تتراجع لاحقاً.
وانخفضت أسعار الذهب في السوق السورية بمقدار 1550 ليرة للغرام الواحد من عيار 21 قيراطاً، مقارنة بأعلى سعر سُجّل في أول يوم من الحرب الأميركية الإسرائيلية–الإيرانية، والذي بلغ 18,350 ليرة جديدة.
وحددت جمعية الصاغة في نشرتها الصادرة، أمس السبت، سعر غرام الذهب عيار 21 قيراطاً بـ 16,800 ليرة مبيعاً، و16,450 ليرة شراء.
وبلغ سعر غرام الذهب عيار 18 قيراطاً 14,400 ليرة مبيعاً، و14,050 ليرة شراء.
تحديات ومطالب
في ظل الظروف الحالية، تبرز تحديات عدة أمام الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، إذ أوضح الأسود أن “العمل مستمر رغم الصعوبات، لكن التحدي الأكبر يكمن في تأخير إصدار قانون عقوبات محدد للصاغة، مما يحد من فعالية الرقابة”.
وأضاف: “حالياً، عند ضبط مخالفة، تتم إزالة المخالفة وتحرير محضر ضبط فقط، لكن رغم ذلك، فإن الهيئة بحاجة إلى تشريع جديد يتيح لها تطبيق عقوبات صارمة ضد المخالفين”.
وفي سياق تأثير التغييرات الضريبية على سوق الذهب، أكد الأسود أن هناك زيادات مفاجئة في الضرائب، أبرزها ضريبة رسم الدخل المقطوع، التي ارتفعت أحياناً إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه سابقاً. وقال: “هذه التغييرات جاءت بشكل متسرع ودون تنسيق مع الهيئة، ما أثار تذمر الصاغة والمواطنين على حد سواء”.
وأضاف أن ارتفاع الضرائب انعكس بشكل مباشر على حركة السوق، حيث سجلت المبيعات تراجعاً ملحوظاً، ما أدخل النشاط التجاري في حالة ركود وأثر على الاستقرار الاقتصادي للقطاع.
تأثير سعر الصرف
مع الوضع الاقتصادي المتقلب في سوريا، يصعب التنبؤ بتأثير التقلبات الاقتصادية العالمية والمحلية على أسعار السلع الأساسية، لا سيما الذهب. ومع تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية، يبرز تأثير تغيرات سعر الصرف على المعدن النفيس كأحد الجوانب الحيوية التي تمس المواطنين بشكل مباشر.
وأكد الخبير المالي والمصرفي الدكتور فراس شعبو، أن سعر الذهب في سوريا يتأثر بشكل كبير بالتحركات العالمية، وأيضاً بسعر صرف الليرة.
وأضاف: “في الاقتصاديات غير المستقرة، مثل الاقتصاد السوري، يعتمد سعر الذهب على أسعاره العالمية، كما يرتبط ارتباطاً مباشراً بسعر الصرف. فعلى سبيل المثال، إذا كان سعر الدولار 10,000 ليرة قديمة (100 ليرة جديدة) وارتفع إلى 11,000 ليرة قديمة (110 ليرة جديدة)، فإن سعر الذهب سيرتفع في السوق المحلية حتى لو ظل ثابتاً في الأسواق العالمية”.
وأوضح شعبو أن الذهب يُسعر بالدولار عالمياً، لكن في سوريا، حيث تتذبذب قيمة الليرة بشكل كبير، فإن ذلك يضيف ضغطاً إضافياً على المواطنين. ومع تدهور قيمة الليرة، يصبح الذهب أكثر تكلفة، حتى لو ظل سعره مستقراً عالمياً.
وأشار إلى أن هذا الارتفاع يمثل مؤشراً واضحاً للتضخم الحاد الذي يعاني منه المواطن السوري، لافتاً إلى أن “حتى مع استقرار أسعار الذهب عالمياً، فإن تراجع قيمة الليرة مقابل الدولار يجعل من الصعب على المواطنين تحمل التكاليف، ويظهر ذلك بوضوح في ارتفاع الأسعار المستمر، خصوصاً مع تقلبات سعر الصرف المتواصلة”.
وأوضح شعبو أن هذه التقلبات تؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية، كما أن تدهور الليرة المستمر وارتفاع سعر الذهب محلياً يؤديان إلى تضخم إضافي، مما يعمق معاناة المواطنين في ظل هشاشة الاستقرار الاقتصادي.
صحيفة الثورة السورية












