الاقتصاد اليوم ـ تغطية شاملة للأخبار الاقتصادية على مدار ليوم

 

تقرير: سوريا دخلت مرحلة تعافٍ حسب بيانات الإضاءة الليلية

الاقتصاد اليوم:

أظهر مقال ضمن نشرة “سوريا بالأرقام” الخاصة أنه، بعد عام واحد على سقوط النظام المخلوع، تُشير بيانات الإضاءة الليلية إلى أن سوريا دخلت مرحلة تعافٍ تتسم بتحسن هيكلي، لا بتقلبات قصيرة الأجل، ورغم أن بيانات الأقمار الصناعية لا تستطيع قياس الرفاه، أو جودة الحوكمة، أو فعالية المؤسسات، فإنها توفّر عدسة محايدة لتقييم ديناميكيات التعافي المبكرة في ظل غياب إحصاءات اقتصادية موثوقة.

اعتمد المقال على بيانات الإضاءة الليلية المستمدة من الأقمار الصناعية لتقديم تقييم محايد قائم على البيانات التي توفّر نظرة تمتد لثلاث سنوات لمسار سوريا، وتُظهر زيادة سنوية متواضعة في عام 2024، قادتها أساساً المدن الواقعة حينذاك خارج سيطرة النظام المخلوع.

وشكّل انهيار النظام المخلوع نقطة تحوّل سرّعت هذا الاتجاه، مع تغيير في محركاته الجغرافية الرئيسية، ومع دخول قرار تخفيف العقوبات الأوروبية حيز التنفيذ في شباط/فبراير 2025، كانت سوريا قد دخلت مرحلة جديدة في ديناميكيات الإضاءة الليلية؛ فقد تسارع النمو بشكل حاد حتى أيار/مايو الماضي، ليصل إلى مستويات لم تُسجّل منذ مطلع عام 2023، وتزامن هذا الارتفاع مع عدة تطورات، من بينها الإبلاغ عن عودة طوعية لأكثر من 600 ألف لاجئ، وتخفيف أميركي مستهدف للعقوبات على مصرف سوريا المركزي والموانئ السورية، وسجّلت جميع المدن السورية الكبرى، باستثناء السويداء والحسكة، نمواً سنوياً مزدوج الرقم في الإضاءة الليلية خلال عام 2025.

مؤشرات بديلة عن غياب الأرقام الدقيقة
وتعليقاً على فكرة قياس التعافي الاقتصادي بواسطة المؤشرات غير المباشرة من قبيل الإضاءة الليلية، يشير الباحث الاقتصادي في شركة “كرم شعار للاستشارات”، ملهم جزماتي، إلى أنه يمكن اعتماد نمو الإضاءة الليلية مؤشراً غير مباشر على نمو وتعافي الاقتصاد، لكن بحذر.

ويضيف،، أن الإضاءة الليلية تُستخدم دولياً كمؤشر بديل للنشاط الاقتصادي، خاصة في البلدان التي تعاني من ضعف البيانات الرسمية، لأنها تلتقط توسّع النشاط البشري والعمراني، وتحسن توفر الكهرباء، وحركة الأسواق، لكنها ليست مرادفاً مباشراً للناتج المحلي، لأن ارتفاع الضوء قد يعكس أيضاً عودة السكان وتحسن التغذية الكهربائية، وليس بالضرورة زيادة الإنتاج والاستثمار بالدرجة نفسها، لذلك يمكن القول إن نمو الإضاءة الليلية هو إشارة مهمة إلى تحسن النشاط، لكنه لا يكفي وحده لإثبات حصول تعافٍ اقتصادي بنيوي.

ويتابع بأن مقال “سوريا بالأرقام” مهم لأنه يلتقط شيئاً لا تظهره الأرقام التقليدية بسرعة، وهذا الشيء يتمثل بوجود حركة تعافٍ فعلية في معظم المدن الكبرى، لكنها غير متوازنة جغرافياً ومجزأة، ويؤكد أن هذا يعني أن الاقتصاد، بعد سقوط النظام المخلوع، لم يبقَ في حالة جمود كامل، بل بدأ يستعيد جزءاً من النشاط، لكن هذا النشاط لا يزال أقرب إلى تعافٍ موضعي وانتقالي منه إلى نهضة وطنية متماسكة، وبعبارة أوضح: هناك عودة للحركة، لكن ليس بعد عودة كاملة للدورة الإنتاجية السورية.

ماذا تخبرنا المؤشرات الأخرى؟
في مسار الحديث عن المؤشرات غير المباشرة الأخرى الدالة على تعافي أو انكماش الاقتصاد منذ سقوط النظام المخلوع، تبرز قطاعات مهمة مثل مسار الأسعار والتضخم، الذي يمكن أن يقدم معطيات مفيدة في هذا السياق.

وهنا يلفت الباحث ملهم جزماتي إلى أن دخول الاقتصاد في مرحلة انكماش سعري قصير، بعد سنوات من التضخم المرتفع جداً، كان إشارة إلى تبدل عميق في البيئة النقدية والطلب المحلي، ثم إن عودة التضخم (ولو بمعدل أقل من السابق) لاحقاً أوضحت أن هذا التحسن لم يتحول بعد إلى استقرار راسخ، بل بقي هشاً ومتقلباً.

ويلمح إلى أن حجم النشاط الاستثماري المعلن، مثل مذكرات التفاهم والمشاريع التي أُعلن عنها في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، يعد مؤشراً مهماً على تغير التوقعات الاقتصادية وعودة اهتمام المستثمرين بالسوق السورية بعد سنوات من العزلة.

هذه المؤشرات، إذن، تعطي إشارة إيجابية عن مستقبل الاقتصاد السوري، بحسب ما يضيفه جزماتي، لكن هذه الإشارة تبقى مشروطة؛ فما نراه حتى الآن هو تعافٍ تقوده الثقة والانفتاح النسبي وعودة الحركة السكانية والتجارية، وليس بعد تعافياً قائماً على توسع قوي في الصناعة والزراعة والصادرات، وبالتالي، فإن مستقبل الاقتصاد السوري سيتحدد وفق سؤال واحد: هل ستتحول هذه المؤشرات الأولية إلى زيادة حقيقية في الإنتاج وفرص العمل والاستثمار المنفذ؟ إذا حصل ذلك، يمكن أن تتوسع موجة التعافي، أما إذا بقي التحسن محصوراً في الاستهلاك والمشاريع المعلنة وتحسن المزاج العام، فسنكون أمام انتعاش محدود لا أكثر.

في المجمل، يلاحظ جزماتي وجود تعافٍ حقيقي في الاقتصاد، لكن نسبته لا تزال محدودة وغير متكافئة؛ فالاقتصاد لم يعد في طور الانهيار الحر كما كان سابقاً، وهناك تحسن في الثقة وبعض الاستقرار النقدي، بالتوازي مع عودة جزء من الحركة المالية، وتحسن في الإضاءة الليلية، وزيادة في النشاط الخدمي والتجاري.

ويتابع بأن الاقتصاد يبدو أقوى من سيناريو 1 بالمئة الذي وضعه البنك الدولي في منتصف عام 2025، لكن تحديد ما إذا كان النمو 3 بالمئة أو 5 بالمئة أو أكثر يحتاج إلى بيانات إنتاج وتشغيل واستثمار لم تتوفر بعد بصورة موثوقة.

من جانبه، أشار الباحث في مركز عمران للدراسات، أيمن الدسوقي، إلى أنه غالباً ما يتم اللجوء إلى معدل الإضاءة الليلية كمؤشر على النشاط الصناعي والبشري وحالة الخدمات، مع الافتقار إلى بيانات دقيقة لتقدير حالة الاقتصاد.

وأضاف، أنه بتدقيق معدلات الإضاءة الليلية يتضح أنها تكشف الفجوات التنموية والاقتصادية بين المحافظات؛ فالاقتصاد ليس أرقاماً وإحصائيات وحسب، بل معادلات اجتماعية وسياسية، والتقييم الحقيقي يكون قائماً على بيانات دقيقة تقيس مؤشرات اقتصادية وتنموية تنعكس إيجاباً على حياة الفرد واستقرار المجتمع.

ووفقاً لما أورده الدسوقي، تفيد تقارير دولية وخبراء اقتصاديون بوجود تحسن في بعض المؤشرات، كاستقرار سعر صرف الليرة السورية، ووجود فائض في الميزانية، وتزايد الحركة التجارية والنشاط الخدمي في سوريا، وقدوم استثمارات خارجية، لكنها قراءة جزئية متحيزة تضيء على جوانب وتهمل جوانب أخرى؛ فاستقرار سعر الصرف عائد إلى تقييد السيولة، وتزايد الحركة التجارية يخفي عجزاً متنامياً في الميزان التجاري واستنزافاً للقطع الأجنبي، والنشاط الخدمي والتجاري والاستثماري يعزز الاقتصاد الاستهلاكي بنسبة أكبر من الاقتصاد الإنتاجي، وفائض الميزانية المعلن عنه عائد إلى تقييد الإنفاق العام، وما ترتب على ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية.

وفي السياق، لا يعتقد الدسوقي أن الاقتصاد السوري دخل في طور التعافي؛ فسوريا ما تزال في بدايات المرحلة، وما شهده الاقتصاد من معدلات نمو كان مدفوعاً بعوامل خارجية أكثر منها داخلية، كحركة السوريين العائدين من الخارج، وتدفقات الحوالات المالية، وبعض التمويلات من الجهات المانحة، لافتاً إلى أن الحديث عن تعافٍ اقتصادي حقيقي يتطلب رؤية حكومية اقتصادية معززة بخطة استراتيجية ومؤشرات تقييم موضوعية، وهذه الرؤية، إلى الآن، غير ملموسة، في ظل خطوات غير متسقة بين الوزارات والهيئات المستقلة، وفق وصفه.

صحيفة الثورة السورية

تعليقات الزوار
  1. تعليقك
  2. أخبرنا قليلاً عن نفسك