حماية المستهلك في مواجهة معادلة السوق.. من يملك كلمة الفصل في الأسعار؟
الاقتصاد اليوم:
بين شكاوى المواطنين من الغلاء وضغطه على القدرة الشرائية، ورؤية الصناعيين والاقتصاديين لديناميكيات العمل، تبدو آليات تحديد الأسعار أكثر تعقيداً مما تبدو للوهلة الأولى.
وفي وقت يرى بعض الاقتصاديين أن تحرير السوق أسهم في خفض أسعار بعض السلع وتعزيز المنافسة، يشير آخرون إلى أن تقلب سعر الصرف وارتفاع تكاليف الطاقة والنفقات العامة يفرض ضغوطاً إضافية على الأسعار.
وتؤكد مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء أن الأسعار تتحدد أساساً وفق قانون العرض والطلب، مع الأخذ في الاعتبار التكاليف الإنتاجية والتوزيعية والعوامل الموسمية.
ورغم الدور المحوري الذي تضطلع به الجهات الرقابية لضبط الأسواق وحماية المستهلك، يبقى التحدي الأكبر في توفير بيئة اقتصادية مستقرة تحقق التوازن بين العرض والطلب وتدعم القدرة الشرائية للمواطن.
تحول اقتصادي
في مقابل شكاوى المواطنين من استمرار ارتفاع الأسعار وضغطها على قدرتهم الشرائية، يرى رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، الدكتور مازن ديروان، أن الصورة من منظور اقتصادي أوسع تختلف نسبياً.
وقال ديروان، إن تحرير الاقتصاد السوري وإلغاء الاحتكارات، أدى إلى انخفاض ملحوظ في أسعار السلع غير المدعومة، رغم استمرار فرض رسوم جمركية على بعض هذه المواد.
وأوضح أن المنافسة الشديدة التي نشأت عقب هذه الإجراءات، إلى جانب القضاء على “منصة تمويل المستوردات المشؤومة” وممارسات “بلطجة أزلام النظام المخلوع “، أسهمت بشكل كبير في خفض الأسعار وتحسين حركة السوق.
كما أشار أيضاً إلى توفر المنتجات في الأسواق وتنوعها، بما يعكس حيوية السوق وتوسع الخيارات أمام المستهلكين.
واعتبر ديروان أن ربط أسعار السلع والخدمات بمستوى الدخل الفردي أمر غير علمي، موضحاً أن الأسعار تتحدد أساساً وفق قانون العرض والطلب وديناميكيات السوق الخاصة بكل مادة. وبالمثل، فإن الرواتب، بحسب رأيه، تخضع لقانون العرض والطلب على العمالة في كل موقع ومهنة وتخصص.
ولتحقيق انخفاض مستدام في أسعار السلع، يقترح ديروان زيادة المعروض منها إلى أقصى حد ممكن، بما يعزز المنافسة ويحد من هوامش أرباح التجار. أما فيما يتعلق بزيادة الرواتب، فيرى أن السبيل الأمثل يتمثل في رفع الطلب على العمالة من خلال تسهيل بيئة الاستثمار وجذب مزيد من المستثمرين.
وأشار إلى أن هذه هي “المعادلات بكل بساطة” التي يمكن أن تسهم في تحسين الوضع الاقتصادي العام.
ويُعد ديروان من أنصار الإلغاء الكامل للرسوم الجمركية على جميع المواد الأولية والمواد الغذائية الأساسية، معتبراً أن هذا التوجه من شأنه أن يحقق مزيداً من الانخفاض في أسعار المنتجات السورية والمستوردة على حد سواء، بما ينعكس إيجابياً على المستهلكين ويعزز قدرتهم الشرائية.
ورغم ذلك، لا يزال الاقتصاد السوري يواجه تحديات كبيرة، بما في ذلك الحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة، ومعالجة البطالة.
عوامل متعددة
في سياق تباين الآراء حول الأسعار، دعا نائب رئيس غرفة تجارة دمشق السابق، محمد الحلاق، إلى “الموضوعية في مناقشة الأسعار، وتحديد الأسباب الحقيقية وراء ارتفاعها أو انخفاضها، سواء كانت أسباباً موضوعية أو غير موضوعية”.
وأكد أن الحديث عن أسعار بعض المواد الغذائية يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة كل مادة على حده وأسباب تقلبات أسعارها، مشيراً إلى أن الارتفاعات الأخيرة تعود إلى جملة عوامل اقتصادية ومعيشية متداخلة.
وقال الحلاق، إن الأسعار الحالية تعكس “مرحلة 2026″، وهي أفضل مقارنة بـ”مرحلة 2024” التي شهدت “فشل المنصة وارتفاعاً كبيراً في سعر الصرف”، مضيفاً أن “مقارنة عام 2026 بعام 2024 هي مقارنة مرحلة جيدة بمرحلة سيئة وفاشلة”.
وأضاف أن “ضعف الدخل في عام 2026 مقارنة بزيادة الطلب أدى إلى انخفاض نسبي في أسعار بعض السلع”.
وأوضح أن تحديد أسعار المواد الغذائية يتطلب تفريقاً دقيقاً بين أنواعها، مبيناً أنه في حين شهدت بعض المواد انخفاضاً مؤقتاً، إلا أنها عادت لترتفع مجدداً بفعل ضغوط التكلفة.
وعزا هذا الارتفاع إلى عوامل عدة، أبرزها “ارتفاع المصاريف والنفقات والأعباء العامة، خاصة تلك المتعلقة بالطاقة، والتي تتحملها الفعاليات الاقتصادية”.
ولفت إلى أن “سعر الصرف يلعب دوراً محورياً في تحديد أسعار بعض المواد الغذائية، لا سيما المعلبة أو الجاهزة للبيع”، كما أن “تكاليف الكهرباء والطاقة تؤثر بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية التي تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة في إنتاجها أو حفظها، مثل اللحوم والدواجن والخضروات والفواكه”.
كما أشار إلى أن “كمية العرض المتوفرة في السوق ومدى تلبيتها للاحتياجات تلعب دوراً مهماً في تحديد الأسعار”. وفي هذا الإطار، أوضح أن زيادة الاستهلاك والطلب خلال شهر رمضان على مواد مثل الخضار واللحوم أدت إلى ارتفاع أسعارها، مرجعاً ارتفاع أسعار الخضروات إلى “محدودية الإنتاج”، في حين ارتبط ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والدواجن بـ”منع الاستيراد وزيادة الطلب”.
واستثنى الحلاق من هذه القاعدة منتجات مثل الحليب واللبن، مشيراً إلى أن “العرض الكبير لهذه المنتجات حال دون ارتفاع أسعارها رغم زيادة الطلب عليها”.
وبيّن الحلاق أن أسعار بعض المنتجات، مثل الحلاوة، ترتبط بعناصر التكلفة العالمية للمواد الأولية مثل السمسم، مؤكداً أن “ارتفاع تكاليف الطاقة محلياً هو ما أدى إلى زيادة سعر المنتج النهائي رغم ثبات سعر المادة الأولية عالمياً”.
وتطرق إلى “عدم انعكاس تخفيض الأسعار من قبل المستوردين أو أصحاب الوفورات بشكل كافٍ على المستهلك”، بسبب “عدم استقرار سعر الصرف، وارتفاع نفقات المحلات، وعدم وضوح الكلفة الحقيقية، إضافة إلى ارتفاع الضرائب والرسوم والأعباء على الفعاليات الاقتصادية الصغيرة، وزيادة الهدر والتكاليف غير المباشرة، وارتفاع أجور العمالة”.
وأضاف أن “المتاجر التي كانت تشتري كيلوغرام السكر بعشرة آلاف ليرة وتبيعه بأحد عشر ألفاً، أصبحت مضطرة لبيعه باثني عشر ألفاً لتغطية تكاليفها وأعبائها المتزايدة”. واعتبر أن هذه التحديات طبيعية في مرحلة الانتقال من “اقتصاد سوق موجه” إلى “اقتصاد حر” لا يزال يعاني من “ضبابية وعدم وضوح في معايير التكلفة”.
ودعا الحلاق إلى “إصدار قانون دخل واضح المعالم، وقانون جديد للشؤون الاجتماعية، واستقرار التشريعات البحرية والبرية، بما يسهم في توضيح التكاليف والأعباء وتبسيط الإجراءات”.
واعتبر أن هذه الإجراءات من شأنها أن تؤدي إلى “توازن الأسواق”، مشيراً إلى أن “السوق التنافسية هي التي تحدد في النهاية قدرة المستهلك على الشراء وكميته وكيفيته”.
تأثير سعر الصرف
في سياق الجدل الدائر حول أسباب ارتفاع الأسعار وتبادل الاتهامات بين المواطنين والتجار، رأى الصناعي عبد السلام الشواف، أن استمرار اضطراب أسعار المواد، خاصة الغذائية منها، في ظل عدم استقرار سعر الصرف، يثير تساؤلات جوهرية حول عدالة تحميل المسؤولية للمنتجين والمستوردين والباعة.
وأوضح الشواف أن هذا الواقع يتطلب مقاربات مختلفة عن تلك التي قد تكون فعالة في بيئات اقتصادية مستقرة.
وقال: “هل من الإنصاف أن نطلب من المنتج أو المستورد وحتى الباعة أن تفرض عليهم الحكومة أو جهات حماية المستهلك تحمل الخسارة في ظل تقلبات سعر الصرف؟”، مشيراً إلى تجارب دول أخرى، مثل الأردن، الذي خفّض الضرائب عندما اضطربت الأسعار بسبب جائحة “كورونا”، في وقت كان سعر الصرف مستقراً. وفي ألمانيا، عند ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، توجد منافذ بيع تشرف عليها الدولة وتدعمها لتنافس في السوق وتسهم في استقرار الأسعار.
وأضاف الشواف: “أما عندنا، فالوضع مختلف تماماً. نحن أمام معادلة (يا ظالم.. يا مظلوم)، إذ لا توجد مقومات حقيقية لضبط السوق”.
واعتبر أن غياب الضوابط الفعالة من قبل حماية المستهلك أو غيرها من الجهات الرقابية، طالما أن سعر الصرف غير مستقر، يمنح المضاربة والتحكم في العرض والطلب، اليد العليا.
وتابع: “باختصار، العرض والطلب هو سيد الموقف عندنا. وفي العهد المخلوع، بدل أن تكون المؤسسة الاستهلاكية أداة لحماية المستهلك، كانت للأسف مرتعاً للفساد والسرقة، ولم يجد المستهلك فيها إلا العلامات التجارية غير المرغوبة”.
ودعا الشواف إلى ضرورة تفعيل دور الجهات الرقابية بشكل جدي، ووضع آليات واضحة لضبط السوق تأخذ في الاعتبار التحديات الاقتصادية الراهنة، خاصة فيما يتعلق بتقلبات سعر الصرف.
كما أكد أهمية توفير بيئة مستقرة تشجع على الإنتاج والاستثمار، وتحمي في الوقت ذاته حقوق المستهلكين من الممارسات الاحتكارية والمضاربات التي تستغل الظروف لرفع الأسعار بشكل غير مبرر.
وشدد الشواف على أن استقرار سعر الصرف هو حجر الزاوية لأي جهود فعالة لضبط الأسعار، وأن الجهات الرقابية بحاجة إلى صلاحيات وأدوات تمكّنها من التدخل بشكل استباقي وفعال، وليس الاكتفاء برد الفعل بعد تفاقم الأزمة.
وأشار إلى أن ضمان توفر السلع بكميات كافية، ومكافحة الاحتكار، وتفعيل دور المؤسسات الاستهلاكية كأداة حقيقية لدعم المستهلك، كلها خطوات ضرورية لتحقيق استقرار الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
محددات الأسعار والرقابة
في إطار الحديث عن آليات ضبط الأسواق، أكد مدير مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء، حسن الشوا، أن جهود المديرية مستمرة لحماية حقوق المستهلكين وضمان استقرار الأسواق وعدالة المعاملات التجارية.
وقال الشوا إن “العامل الأساسي المؤثر في حركة الأسعار هو مبدأ العرض والطلب”، لكن بعض المناسبات الموسمية تسهم أحياناً في زيادة القوة الشرائية على سلع محددة دون غيرها، ما ينعكس مباشرة على مستويات الأسعار.
وأضاف أن تقييم وضع السعر يتم بناء على دراسة هذه العوامل المتغيرة، مع الأخذ في الاعتبار التكاليف الإنتاجية والتوزيعية، والتأكد من أن الأسعار تعكس الواقع الاقتصادي دون استغلال.
وحول تأثير سعر الصرف، أوضح الشوا أن “ضبط الأسعار يتم عبر متابعة دقيقة من قبل دائرة الأسعار، حيث تتم مراقبة حركة السوق بشكل يومي”، موضحاً أنه في حال رصد أي ارتفاع غير مبرر أو حالة عدم استقرار في مادة معينة ضمن منطقة محددة، يتم التدخل الفوري واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
وشدد على أن المديرية لا تقبل بأي استغلال أو جشع، لافتاً إلى تنظيم ضبوط تموينية بحق عدد من المحال المخالفة، ومنها بعض القصابين وباعة لحم الغنم الذين باعوا بأسعار زائدة، حيث جرى إغلاق المحال المخالفة أصولاً.
وأضاف: “لا يوجد أي مبرر لعدم التدخل في حالات الجشع أو البيع بسعر زائد أو الاحتكار أو الامتناع عن بيع المادة بهدف رفع سعرها”.
وفيما يتعلق باستغلال المناسبات، مثل شهر رمضان، لرفع الأسعار، أقر الشوا بأن ارتفاع الأسعار خلال بعض المواسم، لا سيما في رمضان، قد يحدث بصورة اعتيادية نتيجة زيادة الطلب، إلا أنه أكد أن أي ارتفاع مبالغ فيه أو غير مبرر يتم التعامل معه بشكل يومي لضبط السوق وضمان تقارب الأسعار مع السعر الرائج في كل محافظة، بما يحقق التوازن ويحمي المستهلك من الاستغلال.
وأشار إلى أن مديرية حماية المستهلك تواصل جهودها لتوفير السلع بأسعار معقولة وعادلة، مشدداً في الوقت ذاته على أهمية وعي المستهلكين ودورهم في الإبلاغ عن أي مخالفات أو تجاوزات دعماً لجهود الرقابة وتحقيق الاستقرار في الأسواق.
الثورة













