الاقتصاد اليوم ـ تغطية شاملة للأخبار الاقتصادية على مدار اليوم

 

رئيس هيئة الاستثمار : 56 مليار دولار استثمارات في 2025

الاقتصاد اليوم:

تدخل الاستثمارات في سوريا مرحلة نوعية حافلة بالفرص، مع مؤشرات انتعاش واعدة تعكس قدرة البلاد على استعادة موقعها الاقتصادي الفاعل في المنطقة. ويشكل الاستثمار اليوم قلب عملية إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد الوطني بعد سنوات طويلة من الأزمات، ليصبح ركيزة أساسية لجذب رؤوس الأموال، ودعم النمو، وتأمين فرص العمل، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز دور القطاع الخاص في مسار التنمية المستدامة.

وفي هذا الإطار، يقدّم رئيس هيئة الاستثمار السورية، المهندس طلال الهلالي، في حوار مطوّل قراءة شاملة للمشهد الاستثماري السوري، بدءاً من التغيرات في الجزيرة السورية، مروراً بتقييم مذكرات التفاهم والاتفاقيات الموقعة، وصولاً إلى قانون الاستثمار الجديد وخطط الهيئة للعام 2026.

وكشف الهلالي أن حجم الاستثمارات المسجلة بلغ 56 مليار دولار في 2025، وأن الدخل المرجو من الحقول النفطية بعد استعادتها لا يقل عن 20 مليار دولار سنوياً.

وأوضح أن إلغاء عقوبات “قانون قيصر” عزز الاهتمام الاستثماري، مشيراً إلى أن بعض المستثمرين بدأوا باندفاع في البداية، قبل أن تدخل البلاد مرحلة استثمارية ثانية أكثر تنظيماً وتطوراً، مع توجّه المستثمرين نحو فرص نوعية.

وأضاف الهلالي أن الهيئة تركز على أولويات الدولة، مستعرضاً ميزات قانون الاستثمار رقم 114 لعام 2025، ودور القطاع الخاص كشريك رئيسي.

كما أكّد أن خطة الهيئة لعام 2026 ترتكز على تطوير البنية التحتية، والتحول الرقمي، لضمان استمرارية وجاذبية الاستثمار، وخلق فرص عمل، واستقطاب الكفاءات السورية في الداخل والخارج، مضيفاً: “لا يهمنا جني المال بقدر ما تهمنا الاستمرارية وثقة المستثمر”.

وفيما يلي الحوار كاملاً مع رئيس هيئة الاستثمار السورية المهندس طلال الهلالي:

كيف تنظرون إلى المرحلة الاستثمارية التي تدخلها سوريا اليوم؟
كما أشار السيد الرئيس أحمد الشرع، فإن الدخل المرجو من الحقول النفطية بعد استعادتها لا يقل عن 20 مليار دولار سنوياً، وهذا رقم مهم جداً للمرحلة النوعية التي تمر بها سوريا اليوم، مرحلة تطوير اقتصادي وتنمية، وحقبة استثمارية استثنائية بكل المقاييس.

هذا الوارد الكبير الذي يمكن أن يرفد خزينة الدولة من الحقول النفطية، يتيح لنا – بمصطلحات إدارة الأعمال الحديثة – أن نستثمر رؤوس الأموال في إعادة بناء البنية التحتية لسوريا وفق الأولويات، سواء في التطوير العقاري، أم إعادة إطلاق المشاريع الحيوية المهمة، من الزراعة إلى الإسكان، وصولاً إلى مشاريع سياحية نوعية قادرة على جذب أعداد كبيرة من السياح، إلى جانب مشاريع الطاقة. نحن هنا نتحدث بوضوح عن التركيز على الاقتصاد الريعي كمرحلة تأسيسية.

كيف ينعكس الاستثمار في البنية التحتية على تحفيز المستثمرين؟
عندما نضع اليوم استثماراً في قطاع معين، كقطاع السياحة أو البنية التحتية، نكون قد مهّدنا وجهّزنا للمستثمر أن يبني على تلك البنية التحتية، سواء من مدارس، مستشفيات، مبانٍ، أم مشاريع سياحية متكاملة.

الأمر ذاته ينطبق عندما يكون لدينا وارد من حقول النفط والغاز، إذ يمكن استخدام هذه الموارد في مشاريع سياحية أيضاً. السياحة اليوم في سوريا مهمة جداً، لأنها تدخل قطعاً أجنبياً إلى البلد، وتؤمن فرص عمل، ليس فقط في قطاع السياحة، بل في مختلف القطاعات المرتبطة بها.

ماذا عن فرص العمل والكفاءات السورية في الداخل والخارج؟
نحن نركز في خطة عملنا على الكم الذي يمكن أن نحققه من فرص عمل لليد العاملة السورية في الداخل، وكذلك على استقطاب الكفاءات العالية الموجودة في الخارج.

ضمن قانون الاستثمار الجديد، هناك بند يتيح للمستثمر أن يجلب ويستقطب يداً عاملة من خارج سوريا، لأننا اليوم نفتقر إلى اليد العاملة والخبرات السورية، رغم أن هذه الكفاءات أثبتت وجودها في العالم في مختلف القطاعات، وما زال جزء كبير منها خارج البلاد.

كيف تأثر الاهتمام الاستثماري بعد إلغاء عقوبات “قانون قيصر”؟
قبل إلغاء “قانون قيصر”، كان هناك عدد كبير من المستثمرين الذين دخلوا وبدأوا العمل داخل سوريا، وهذا موضوع يجب التوقف عنده، جزء من هؤلاء المستثمرين أعدوا دراسات جدوى اقتصادية حتى قبل إلغاء قانون قيصر ورفع العقوبات.

وهذا الكلام له دلالات كبيرة، مفادها أن المستثمرين في الخارج يؤمنون بسوريا الجديدة، وهذا بحد ذاته إحراز فوز عظيم لسوريا، لأننا بحاجة اليوم إلى أشخاص مؤمنين بسوريا، وهذا الأمر له أيضاً دلالات اجتماعية واقتصادية واستثمارية.

إزالة “قانون قيصر” عززت هذا الاتجاه وأعطت مصداقية أكبر، فالمستثمر في الخارج أصبح لديه أمل بأن تعود سوريا وتكون من الاقتصادات العالمية الرائدة في المنطقة.

كيف تقيمون مذكرات التفاهم والاتفاقيات الموقعة؟
دعونا نجزّئ هذه الاتفاقيات إلى مرحلتين، الأولى تضم أشخاصاً جاؤوا باندفاع كبير في البداية، بعضهم أعد دراسات، وبعضهم لم يقدم على أي دراسة، والمرحلة الثانية هي الاستثمارات والعقود ومذكرات التفاهم التي وقعت عليها الدولة، وهي بالفعل نوعية.

هناك شركات كبيرة بدأت العمل حتى قبل توقيع العقود، كما في عقود الطاقة، إذ بدأت الشركات تنفيذ المشاريع قبل التوقيع الرسمي، وهذا ما شاهدناه جميعاً، والأمر ذاته ينطبق على بعض مشاريع مطار دمشق الدولي.

ما المعايير التي تعتمدونها في تقييم المشاريع؟
هناك مشاريع قمنا في هيئة الاستثمار بإعادة دراستها، لتحديد المحاور التي نركز عليها، والفائدة المرجوة من هذا الاستثمار، وما تحتاجه الدولة، والعوائد التي يمكن تحقيقها من نفع اقتصادي وتشغيل يد عاملة.

اليوم بدون طاقة، لا يمكن لصاحب المشروع العمل في قطاع السياحة، ولا الصناعة، ولا الزراعة، إلا في بعض المهن الصغيرة، لذلك لدينا أولويات نحتاجها ونعمل على توفيرها اليوم، وأخرى بعيدة المدى.

ما هذه الأولويات؟
بالتأكيد سنبدأ بالأولويات التي تحتاجها الدولة، وأن يكون لدينا قاعدة من الطاقة، والمطارات، والطرق، والمياه، وهناك مشاريع نرى فيها أثراً قريباً لا بد من تنفيذها، مثل مشاريع الطرق التي نفذتها محافظة دمشق، وهناك مشاريع أخرى تحتاج وقتاً ودراسة جدوى اقتصادية معمقة.

كيف تقيّمون قانون الاستثمار رقم 114 لعام 2025؟
بحكم أن هيئة الاستثمار هي الذراع المنفذ لقانون الاستثمار رقم 114 لعام 2025، أستطيع القول: إن القانون نوعي ويواكب العصر، وبعض الفقرات الواردة فيه شاهدناها في دول خليجية، إذ تم إعدادها ووضعها قيد التطبيق بعد سنوات طويلة من التجربة.

هنا كانت الحنكة، فبدلاً من أن نبدأ بالتجريب، استفدنا من تجارب دول نجحت، وجُمعت أفضل الممارسات في القوانين الاستثمارية، ووُضعت ضمن قانون يتلاءم مع الطبيعة السورية، ثم عُرض القانون على مختص عالمي لأخذ الرأي.

كيف كان صدى القانون لدى وفود المستثمرين الدوليين؟
نحن اليوم في لقاءات مستمرة مع وفود تجارية واستثمارية ورسمية، وكل من يسمع بالنقاط المهمة في القانون يندهش، لأن كثيراً من الدول لم تصل إلى هذه الفقرات، “نحن سبقنا الآخرين”.

مسألة تملك الأجنبي بنسبة 100 بالمئة، وموضوع وضع اليد، كلها بنود لاقت إعجاباً كبيراً، وبالأمس كان لدينا لقاء مع مؤسسة التمويل الدولية، وعند استعراض فقرات القانون، كان الانطباع إيجابياً للغاية.

ما أبرز ميزات قانون الاستثمار؟
صدر قانون الاستثمار رقم 114 لعام 2025 كإطار تشريعي جديد لتنظيم الاستثمار في سوريا، ويهدف إلى جذب رؤوس الأموال، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وربط الاستثمار بإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.

يمنح القانون مزايا نوعية، أبرزها أولوية التطبيق عند التعارض مع قوانين أخرى، وتسهيل التملك والاستثمار للأجانب، وحماية حقوق المستثمرين، بما يعكس توجهاً رسمياً لإعادة إدماج سوريا في خارطة الاستثمار الإقليمي والدولي.

ما حجم الفرص الاستثمارية المتاحة اليوم؟
لدينا تنوع تضاريسي كبير، جبال، مناطق خضراء، مناطق مخصصة للطاقة الريحية المعروفة عالمياً، إضافة إلى القطن والزراعات الموسمية، والطاقة المدفونة تحت الأرض، وعدد كبير من المعادن الموثقة في متحف الجيولوجيا، أي كنوز حقيقية تحت الأرض مشجعة على جلب المستثمرين.

كيف تصفون دور القطاع الخاص؟
القطاع الخاص هو الشريك الصحيح، ونحن نسير بمنهج تشاركي واضح، إذا تحدثنا عن سلة اقتصادية واستثمارية، فإن القطاع الخاص هو الأساس.

أحد الأمثلة وزارة الطاقة أصبح لديها شركات قابضة، وهي خطوة مهمة جداً، ويعود تطبيقها بالفائدة على الدولة، كما أن الشركات الإنشائية تعمل بالشراكة مع القطاع الخاص، ونص قانون الاستثمار رقم 14 على الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

ما حجم الاستثمارات المسجلة حتى الآن؟
في عام 2025، وصل حجم الاستثمارات إلى 56 مليار دولار أميركي، شملت قطاعات التطوير العقاري والطاقة والسياحة والزراعة والصناعة وغيرها من القطاعات الحيوية في سوريا، مع التنويه بأهمية التوجه نحو قطاع الزراعة في سوريا كاستثمار، إذ يوجد نحو 500 مليون شجرة زيتون، وزيت الزيتون السوري معروف بجودته العالية ويعد نخباً أول للتصدير.

هناك توجه استثماري لإعادة تأهيل معامل السكر، واستثمارات في النفط والغاز، وقطاعات أخرى مهمة.

الاستثمار اليوم موجود في كل جزئية من سوريا، والفرصة في هذه المرحلة محفزة وكبيرة واستثنائية، وربما بعد عامين لن يكون الحديث بالطريقة ذاتها، لأن المنافسة ستكون شديدة.

ماذا عن المشاريع الصغيرة والمتوسطة؟
هناك هيئة مختصة وتعنى بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، لكن رغم ذلك، لهذه المشاريع حصة كبيرة لدى هيئة الاستثمار، لأن الاقتصاد السوري قائم بمجمله على هذا النوع من المشاريع.

نحن على تواصل دائم مع أصحاب هذه المشاريع لمعرفة احتياجاتهم، سواء في البنية التحتية أو الإجراءات أم تأمين المواد المستوردة اللازمة للإنتاج، ونسعى إلى تذليل مختلف العقبات، فالهيئة تشكل داعماً كبيراً لهذه المشاريع، وكثير من الاقتصادات الناجحة في العالم قائمة على المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

ما خططكم لعام 2026؟
في الربع الأول من عام 2026، نركز على أهم خطوة، وهي تركيبة القوانين المتعلقة بالاستثمار والتي نرتكز عليها، والعمل على تذليل أي عثرات ضمنها. لا يهمنا جني المال بقدر ما تهمنا الاستمرارية وثقة المستثمر، كذلك نركز على الإجراءات الخاصة بالهيئة في فروع المحافظات، وخطة التوسع نحو الخارج، واستقطاب استثمارات نوعية ذات عائد قوي على الدولة.

ماذا عن التحول الرقمي؟
الهيئة تعمل بشكل جدي على التحول الرقمي لأهميته الكبيرة في تسهيل وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين ولمواكبة التطور العالمي، وقد بدأنا بتطبيق أنظمة التحول الرقمي، بالتوازي مع ذلك أصبحت مختلف الإجراءات والمؤشرات واضحة ومكتوبة وقابلة لأن تكون قاعدة عمل، وسنتوسع أكثر مع نهاية الربع الأول وبداية الربع الثاني مع الاستكمال.

أين إعادة الإعمار في توجهات الهيئة؟
إعادة الإعمار من الأسس المهمة في عمل الهيئة، لذلك وضعنا شروطاً في العقود الاستثمارية الموقعة مع الشركات، تتضمن بنداً يتعلق بإعادة تأهيل المساكن والمنشآت المتضررة.

هل لديكم مبادرات مجتمعية أو أخرى تتعلق بالتدريب؟ وما دوركم في توفير فرص العمل؟
هناك مبادرة تتعلق بالخدمة المجتمعية، لأن المستثمرين ينظرون اليوم إلى الخدمات المقدمة والمظهر العام عند دخولهم البلد، وعليه نعمل على تعزيز هذه المبادرة بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وستبدأ من الحفاظ على النظافة العامة لتتوسع إلى مظاهر حضارية أخرى، وتلك المبادرات تعتبر من أساسيات تشجيع المستثمر والزائر الخارجي، إذ يراقبها ويسأل عنها عند دخوله أي بلد.

أما التعليم والتدريب فهو أولوية في أي مشروع صغيراً كان أم كبيراً. نعمل على تدريب وتأهيل الكوادر وأقمنا العديد من الورش، خاصة في مجال دراسات الجدوى الاقتصادية وغيرها من الأسس لنجاح تنفيذ العقد الاستثماري، عبر خبراء محليين ودورات أونلاين مع مدربين خارجيين.

أما المشاريع المتعثرة، فنعيد النظر فيها، ونتابع المستثمرين الراغبين بالاستمرار، ونحصي المشاريع المتوقفة ونبني قاعدة بيانات خاصة بها.

وبالنسبة لفرص العمل تعتبر أولوية، فإن جميع العقود تتضمن شروط تأمين فرص عمل للمواطنين، ونسعى لزيادتها تدريجياً ضمن العقد وبنسبة أكبر للسوريين داخل البلاد، لأن تأمين فرصة العمل يوازي في أهميته الأمن الغذائي للدولة.

ما رسالتكم للمستثمرين؟
رسالتنا هي التفاؤل، ورغم الصعوبات التي نعترف بوجودها، إلا أن هناك إمكانات ومحفزات كبيرة تجعل الرهان على النجاح كبيراً، وثمة ضوء قوي في قطاع الأعمال والاستثمار في سوريا يجعل منها قبلة للمستثمرين على المستوى المحلي والعالمي.

نركز بشكل خاص على المستثمر السوري وجذبه للعودة والمشاركة في عملية البناء والتطوير، لأنه أثبت نجاحه في مختلف الدول، والفرص الحالية أمامه اليوم لن تتكرر، فسوريا تنهض من حرب طويلة وتمتلك إمكانات هائلة تمكن المستثمرين من إقامة أعمالهم في شتى القطاعات.

الثورة

تعليقات الزوار
  1. تعليقك
  2. أخبرنا قليلاً عن نفسك