الاقتصاد اليوم ـ تغطية شاملة للأخبار الاقتصادية على مدار اليوم

 

رفع العقوبات لا يكفي.. ما الذي يمنع عودة العلاقات المصرفية الدولية مع سوريا؟

الاقتصاد اليوم:

رأى النائب الأول السابق لحاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور مخلص الناظر، أن رفع معظم العقوبات الاقتصادية والقانونية المفروضة على سوريا لم يؤدِ حتى الآن إلى عودة طبيعية للعلاقات المصرفية الدولية، موضحاً أن العقبة الأساسية لم تعد في القوانين وحدها، بل في ثقة المصارف الأجنبية وقدرتها على تقييم مخاطر التعامل مع السوق السورية.

وقال الناظر، في مقالة نشرها عبر حسابه على "فيس بوك"، إن المصارف العالمية لا تعود إلى سوق ما بمجرد صدور قرار سياسي برفع العقوبات، إذ تحتاج إدارات الامتثال فيها إلى التأكد من أن التعامل مع المؤسسات والعملاء السوريين لن يعرّضها لمخاطر قانونية أو تنظيمية أو لغرامات مستقبلية.

ولخص الناظر المشهد بالقول إن "الجدار القانوني سقط، والجدار المصرفي لا يزال قائماً"، مشيراً إلى أن إعادة بناء الثقة في القطاع المالي السوري ستكون عملية أبطأ من تفكيك منظومة العقوبات نفسها.

عقود من العزلة المصرفية
وبحسب الناظر، لم تبدأ عزلة القطاع المصرفي السوري خلال السنوات الأخيرة فقط، بل تراكمت على مدى عقود، بدءاً من إدراج سوريا على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب عام 1979، مروراً بالمخاوف المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وصولاً إلى العقوبات الأميركية والأوروبية الواسعة التي فرضت بعد عام 2011 وقانون "قيصر".

ويرى الناظر أن قانون "قيصر" شكّل خصوصاً عائقاً أمام المصارف غير الأميركية، بسبب مخاطر العقوبات الثانوية التي جعلت مؤسسات مالية في أوروبا وآسيا تتجنب التعامل مع سوريا حتى عندما لا تكون المعاملة محظورة بصورة مباشرة.

إلا أن المشهد القانوني تغيّر بصورة واسعة بعد سقوط نظام بشار الأسد. ففي 28 أيار/مايو 2025، رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، مع الإبقاء على العقوبات المرتبطة بأسباب أمنية وعلى إجراءات تستهدف أفراداً وكيانات مرتبطة بالنظام المخلوع.

وفي 30 حزيران/يونيو من العام نفسه، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأمر التنفيذي 14312، الذي أنهى برنامج العقوبات الأميركي على سوريا ووجّه إلى تخفيف قيود أخرى، مع الإبقاء على العقوبات التي تستهدف بشار الأسد وشخصيات وكيانات مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان والإرهاب وانتشار الأسلحة الكيميائية.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، أُلغي قانون "قيصر" ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي للسنة المالية 2026، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة إضافية في 24 آب/أغسطس 2026 بإلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، بعد بقائها على القائمة منذ عام 1979.

لماذا لا تتحرك الأموال إذاً؟
يقول الناظر إن المشكلة الحالية تتمثل فيما يُعرف مصرفياً بـ"تفادي المخاطر" أو "De-risking"، إذ قد يقرر مصرف أجنبي رفض التعامل مع سوق بكاملها بدلاً من تحمل كلفة دراسة كل عميل ومعاملة على حدة.

ويشير إلى أن أربعة عقود من القيود والعقوبات رسخت سوريا في أنظمة الامتثال لدى كثير من المؤسسات المالية باعتبارها سوقاً مرتفعة المخاطر، وهو وضع لا يتغير تلقائياً بمجرد تعديل القوانين.

ويضاف إلى ذلك، بحسب الناظر، أن بعض المؤسسات المالية تفضّل انتظار تحرك مصارف دولية أخرى قبل دخول السوق السورية، في ما يشبه "سلوك القطيع"، خصوصاً أن فتح علاقات مصرفية مراسلة يحتاج إلى مراجعة واسعة لأنظمة مكافحة غسل الأموال، ومعرفة العميل، ومصادر الأموال، والجهات المستفيدة من التحويلات.

"فاتف".. عقدة أساسية أمام المصارف
ويركز الناظر على بقاء سوريا ضمن قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة لدى مجموعة العمل المالي الدولية "فاتف"، المعروفة إعلامياً باسم "القائمة الرمادية"، معتبراً أن الخروج منها سيكون من أهم الخطوات لاستعادة ثقة المصارف العالمية.

وحتى آخر تحديث صادر عن "فاتف" في 19 حزيران/يونيو 2026، ما تزال سوريا مدرجة ضمن الدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة. وتوضح المجموعة أن سوريا أنجزت خطتها المتفق عليها من الناحية الفنية منذ عام 2014، لكن الظروف الأمنية حالت دون إجراء زيارة ميدانية للتحقق من استدامة تطبيق الإصلاحات، وهو ما أبقاها على القائمة.

ويرى الناظر أن خروج سوريا من هذه القائمة يتطلب تعزيز الرقابة على القطاع المصرفي، وتحسين أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإثبات القدرة على تتبع مصادر الأموال والمعاملات المشبوهة.

لكنه يقدّر أن إنجاز هذه الخطوة قد يكون ممكناً خلال عام 2027، وهي مدة تبقى، وفق طرحه، تقديرية وليست موعداً رسمياً معلناً من "فاتف".

المصارف المراسلة قبل PayPal وStripe
ويربط الناظر عودة الخدمات المالية الدولية بسلسلة متدرجة تبدأ من المصارف المراسلة، وهي مؤسسات أجنبية تحتفظ بحسابات لمصارف سورية وتتيح لها إرسال الأموال واستقبالها عبر النظام المالي الدولي.

ويشير إلى أن "سويفت" تمثل شبكة الرسائل التي تستخدمها المصارف لتنفيذ وتسوية التحويلات، لكن القدرة على استخدام الشبكة بصورة طبيعية وواسعة تبقى مرتبطة أساساً بوجود علاقات مصرفية مراسلة فعالة، وليس بالجانب التقني لـ"سويفت" وحده.

وتعمل السلطات النقدية السورية بالفعل على إعادة هذه العلاقات. ففي أيلول/سبتمبر الماضي، أعلن مصرف سوريا المركزي العمل على استعادة العلاقات مع المصارف المراسلة وتوسيع الوصول إلى الشبكات المالية الإقليمية، في حين سبق أن أعلن في نيسان/أبريل أن المباحثات وصلت إلى مراحل متقدمة لإنشاء علاقة مصرفية مراسلة مع تركيا.

أما منصات الدفع الرقمية، فيرى الناظر أنها تأتي في مرحلة لاحقة، لأنها تعتمد بدورها على مصارف ومزودي خدمات ماليين. ولا تظهر سوريا حالياً ضمن قائمة الدول التي تدعم فيها منصة "Stripe" فتح حسابات للشركات المحلية.

متى تعود العلاقات المصرفية إلى طبيعتها؟
يتوقع الناظر أن تشهد الفترة الممتدة بين نهاية 2027 ومطلع 2028 تحسناً أوسع في علاقات المصارف السورية مع البنوك المراسلة والخدمات المالية الدولية، على أن تتبعها بصورة تدريجية منصات الدفع الرقمية.

ويشدد على أن هذه المواعيد ليست استحقاقات رسمية، وإنما تقديرات مرتبطة بسرعة تنفيذ الإصلاحات المصرفية وخروج سوريا من القائمة الرمادية لـ"فاتف"، ومدى استعداد المصارف الدولية لإعادة تقييم المخاطر.

وبذلك، فإن رفع العقوبات، وفق الناظر، لم يكن سوى الخطوة الأولى. أما الخطوة الأصعب فهي إعادة بناء الثقة بين القطاع المصرفي السوري والمؤسسات المالية العالمية بعد سنوات طويلة من العزلة.

ويخلص إلى أن عودة المال السوري إلى النظام المالي الدولي ستسير على مراحل: إصلاحات داخلية ومكافحة أكثر فاعلية لغسل الأموال، ثم استعادة علاقات المصارف المراسلة، وبعدها توسع التحويلات والخدمات الرقمية.

تعليقات الزوار
  1. تعليقك
  2. أخبرنا قليلاً عن نفسك