سوريا.. اقتصاد مثقل بتحديات التعافي ومخاطر الاقتراض وإعادة الإعمار
الاقتصاد اليوم:
تواجه الحكومة السورية الجديدة مهمة معقدة تتمثل في إعادة تنشيط الاقتصاد، واستعادة ثقة المستثمرين، وتحسين الظروف المعيشية، في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني من تداعيات سنوات الحرب والعقوبات ومحدودية الموارد.
وبين الحاجة إلى التمويل الخارجي ومخاطر الاعتماد على الديون، تبرز أسئلة حول المشهد الاقتصادي في سوريا اليوم، وهل تملك الحكومة أدوات النهوض دون الوقوع في مطبات الديون أو تهميش الفئات الأكثر هشاشة، إضافة لقدرتها على إطلاق مسار تعافٍ اقتصادي مستدام، وهو ما ناقشته الحلقة الثانية من بودكاست "داخل سوريا" على منصة "سوريا الآن"، التي استضافت الباحث في الاقتصاد السياسي كرم شعار.
توقعات ووقائع
يرى شعار أن التغيير السياسي الكبير في سوريا فتح الباب أمام توقعات بتحولات اقتصادية أوسع، لكن المسار الذي اتخذته السياسات الحكومية لم يلبِّ جميع هذه التوقعات وفق قراءته.
ويشير إلى أن النموذج الاقتصادي الذي بدا أن السلطات السورية تبنته في المرحلة الأولى بعد سقوط الأسد، هو رؤية ليبرالية تفتح باب الخصخصة مع تقليص دور الحكومة، وتشجيع المنافسة.
لكن مع تشكيل حكومة مارس/آذار 2025، توقف الحديث نهائيا عن الخصخصة، وفق شعار، وسقط مبدأ رفض القروض بالمطلق، لتتجه الدولة نحو قبول قروض ميسرة.
ويؤكد الباحث أن هذا التحول الحكومي كان براغماتيا وضروريا للتعامل مع واقع الأزمة الاقتصادية، بغض النظر عن تناقضه مع الخطاب النظري الأول.
ما التحدي الأكبر؟
يجيب شعار بحسم أن العقوبات لم تعد هي العائق الأكبر في سوريا اليوم، بل المشكلة الحقيقية تكمن في "عجز الحوكمة وبناء المؤسسات".
فالأرقام الرسمية تكشف "كارثة مالية"، حيث تقلصت الإيرادات العامة لموازنة الدولة بصورة هائلة لتتراوح بين 1.5 مليار دولار وملياري دولار فقط في عام 2025، بعد أن كانت نحو 12 مليار دولار عام 2010.
وأمام واقع يعيش فيه نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، يشدد شعار على أن الحل لا يكمن في مجرد نظريات اقتصادية حرّة، بل في تبني نموذج عملي يضع في أولوياته تأمين قوت الناس ومكافحة البطالة الحادة عبر التركيز على قطاعات كثيفة العمالة مثل الزراعة والأشغال العامة، وذلك لمنع انزلاق الفراغ المعيشي نحو الجريمة أو النزاعات مجددا.
هل ترفض سوريا القروض حقا؟
ويصف كرم شعار الرفض المطلق للقروض بأنه "مقاربة مضللة"، ويقدم إجابة مفصلة عبر تقسيم القروض إلى 3 مستويات رئيسية، هي:
القروض الاستغلالية (الربوية) التي تعتبر "مرفوضة تماما لكونها شراكا سياسية ومالية تفلس الدول".
قروض صندوق النقد الدولي التي تفرض شروطا وهيكلة صارمة ربما لا تتحملها هشاشة المرحلة الحالية.
القروض الميسرة التي تقدمها مؤسسات التنمية الدولية والبنك الدولي بفوائد تكاد تكون منعدمة، وهي "ضرورة ملحة" لأن بناء سوريا بلا قروض ممكن نظريا، لكنه سيكون بطيئا بشكل كارثي وغير مبرر.
"صداع العقوبات"
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن العقوبات الموجهة (التنفيذية والمستهدفة) لعبت دورا محوريا في خنق نظام الأسد ثم سقوطه، مبسطا المعادلة بأن "لا أحد يقاتل معك مقابل 30 دولارا شهريا".
ورغم رفع عقوبات مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وقانون قيصر، وما تلاها من قانون محاسبة سوريا ورفعها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، يتبقى أثر "صداع العقوبات"، وهي حالة تردد تنتاب الشركات ورجال الأعمال الدوليين، إذ يستغرقون وقتا طويلا لتحديث أنظمتهم وقوانين الامتثال الخاصة بهم واستعادة الثقة الكاملة للعودة والاستثمار في السوق السورية رغم زوال الحظر الرسمي.
ما أسباب موجات الغلاء والتضخم؟
ويفكك شعار أزمة ارتفاع الأسعار في الأسواق عبر تحديد سببين رئيسيين:
الأول هو تمويل العجز عبر السيولة الرقمية، موضحا أن لجوء الحكومة لتغطية زيادات الرواتب والإنفاق عبر خلق السيولة الرقمية المصرفية (دون طباعة مادية مباشرة لكن بأثر تضخمي مماثل)، أربك حسابات المستثمرين واستقرار الأسعار.
الثاني هو انفجار الواردات، حيث أدى فتح الأسواق للواردات دون قيود إلى مضاعفة حجمها خلال عام واحد، مستنزفا العملة الأجنبية ومغذيا لتدهور الصرف وغلاء المعيشة.
ورغم الاعتراف بأن هذه السياسات ولّدت موجة تضخمية قاسية، يبرر شعار خطوة رفع أجور موظفي القطاع العام باعتبارها سياسة إعادة توزيع ضرورية ولازمة لتخفيف جزء من قسوة المعيشة عن كاهل الموظفين، ولو جاء ذلك على حساب استقرار المستوى العام للأسعار مؤقتا.
ما تقييم أداء الليرة وسياسة تثبيت سعر الصرف؟
بينما يرفض شعار أي محاولات وهمية أو مصطنعة لتثبيت سعر الصرف بالطرق الإدارية القديمة التي تسببت في استنزاف الاحتياطي الأجنبي سابقا، فإنه يوضح أن "سعر الصرف الحقيقي يجب أن يعكس حجم التعافي الإنتاجي والتجاري الفعلي للبلاد".
ويرى الخبير الاقتصادي أن التذبذب الحالي في سعر الصرف هو "ضريبة طبيعية لعملية الانتقال والانفتاح السريع للأسواق"، مؤكدا أن استقرار العملة على المدى المتوسط لا يتحقق عبر القرارات البوليسية أو تقييد حركة النقد، بل عبر جذب تدفقات نقدية حقيقية، عودة المغتربين، وتنشيط قطاعات التصدير القادرة على توليد القطع الأجنبي بشكل مستدام.
ما شروط عودة الاستثمار الأجنبي؟
ويؤكد شعار أن رجال الأعمال والمستثمرين الخارجيين لا يتحركون بالعاطفة أو بالشعارات السياسية، بل يبحثون عن "بيئة أعمال آمنة وقابلة للتنبؤ"، ويشمل ذلك "وضع قانون استثمار حديث ومستقر لا يتغير بتغير الوزراء، بالإضافة إلى إصلاح القضاء التجاري لحل النزاعات بسرعة، وتوفير البنى التحتية الأساسية وعلى رأسها الطاقة والكهرباء".
ويحذر شعار من أن بقاء البيروقراطية الإدارية القديمة يعرقل أي تدفق حقيقي لرؤوس الأموال، بغض النظر عن مدى رفع العقوبات الخارجية.
ما مستقبل قطاع الطاقة؟
يرى الباحث الاقتصادي أن ملف دعم الطاقة والمشتقات النفطية كان ولا يزال "النزيف الأكبر" في موازنة الدولة تاريخيا، وأن الدعم العشوائي كان يستفيد منه المهربون والأثرياء على حساب الخزينة العامة.
ويقترح ضرورة الانتقال من الدعم العيني المشوه إلى "الدعم النقدي المباشر" للمواطنين المستحقين بالتوازي مع تحرير أسعار الطاقة تدريجيا لتمكين الشركات من الاستثمار في قطاع الكهرباء والوقود.
ويشدد على أن هذه الخطوة، رغم قسوتها المؤقتة، هي "الشرط الوحيد لوقف عجز الموازنة المزمن وتوفير طاقة مستقرة تحرك عجلة المصانع والورشات المتعثرة".
مستقبل الاقتصاد السوري
في المقابل، يرفض شعار التشاؤم المطلق، مؤكدا أن الاقتصاد السوري محكوم بالنمو حتما بحكم التعافي الطبيعي من قاع الصراع، غير أن السؤال المقلق الذي يطرحه: "لمن يذهب هذا النمو؟" و"هل يخدم طبقة الأثرياء أم يتغلغل لإنعاش قاعدة الهرم المجتمعي؟".
ويختتم بالتحذير من "خطورة اتخاذ قرارات مصيرية كبرى كإعادة صياغة الضرائب أو أصول الدولة بمعزل عن حوار مجتمعي ومؤسسي شامل".
المصدر: الجزيرة











