الاقتصاد اليوم ـ تغطية شاملة للأخبار الاقتصادية على مدار اليوم

 

فجوة الأرقام والمعيشة.. متى ينعكس أثر السياسات الاقتصادية على جيوب السوريين؟

الاقتصاد اليوم:

بين مؤشرات اقتصادية تعلن تحسناً تدريجياً، وواقع معيشي لا يزال يضغط على الأسر، تتسع فجوة صامتة بين ما تقوله الأرقام وما يلمسه المواطن في حياته اليومية.

هذه الفجوة، التي تُعرف اقتصادياً بـ “فجوة الإدراك”، ترتبط بالأداء الاقتصادي، وكذلك بسرعة انعكاسه على الدخل الحقيقي والقدرة الشرائية، في ظل تقلبات سعر الصرف واستمرار الضغوط التضخمية.

ضمن هذا السياق، يتحدث الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، عن هذه الفجوة، مقدماً رؤية اقتصادية وتفسيراً موضوعياً للمشكلة وسبل تجاوزها.

الاقتصاد يتحرك على مستويين
يؤكد رحال أن كثيراً من الدول التي تمر بمرحلة انتقال اقتصادي، تظهر “مفارقة لافتة”: الدولة تعلن عن تحسن في المؤشرات الاقتصادية، بينما يشعر المواطن أن ظروفه الاقتصادية تزداد صعوبة.

وأضاف رحال أن هذه ظاهرة معروفة في أدبيات الاقتصاد السياسي تُسمى “فجوة الإدراك خلال الانتقال”، إذ “تتقدم الأرقام بشكل ملحوظ، بينما تتأخر الظروف المعيشية للشعوب بشكل ملموس”.

وتطرّق رحال إلى تجارب دول مجاورة، موضحاً أن النمو في مصر، ارتفع بعد عام 2016 مع بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي، من 4.3 بالمئة إلى 5.6 بالمئة خلال ثلاث سنوات، وقفز الاحتياطي النقدي من 17 مليار دولار إلى أكثر من 45 مليار دولار، وهي أرقام تعكس تحسناً في المؤشرات الكلية.

لكن في الشارع، وفق رحال، كانت الصورة مختلفة، ففي الفترة نفسها وصل التضخم إلى 33 بالمئة، وارتفعت نسبة الفقر إلى 32.5 بالمئة، وتراجعت القوة الشرائية بشكل كبير، ما يعني أن المواطن لم يلمس النمو، وواجه أسعاراً أعلى ودخلاً أضعف.

كما “تكرر هذا النمط في الأردن، نمو اقتصادي مستقر عند 2-2.7 بالمئة، وتضخم منخفض نسبياً بين 2-4 بالمئة، لكن البطالة وصلت إلى 23 بالمئة، وبطالة الشباب تجاوزت 40 بالمئة”، وفق رحال.

وأرجع رحال هذه المفارقة إلى أن الاقتصاد يتحرك على مستويين مختلفين، مستوى الدولة (Macro)، حيث تتوسع الموازنة وتزداد الاستثمارات، ومستوى المواطن (Micro)، حيث ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع، ولا تكفي فرص العمل، ويتآكل الدخل الحقيقي.

فإذا ارتفعت الرواتب بنسبة 50 بالمئة، في حين زادت الأسعار بنسبة 80 بالمئة، فإن النتيجة الفعلية تكون تراجع الدخل الحقيقي بنسبة 30 بالمئة. وهنا تتشكل الفجوة بوضوح، إذ تتحدث الحكومة عن زيادة الرواتب، بينما يلمس المواطن تراجعاً في قدرته على الشراء.

وخلال أقل من عام، شهد الحد الأدنى للأجور تحولات جذرية في سوريا، إذ ارتفع من نحو 279,000 ليرة قديمة في النصف الأول من عام 2025 إلى 1,256,000 ليرة بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026، أي بزيادة تقارب 350 بالمئة.

كما نص المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026 على زيادة الرواتب والأجور المقطوعة بنسبة 50 بالمئة للعاملين في القطاع العام والجهات ذات المساهمة الحكومية، وذلك بعد أشهر من المرسوم رقم 102 لعام 2025 الذي أقر زيادة بنسبة 200 بالمئة.

وعلى الرغم من هذه الزيادات، تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن الأجور الحالية لا تزال تغطي نحو ثلث الاحتياجات الأساسية للأسر، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة.

وخلال شباط 2026، بلغ متوسط تكلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق (SMEB) نحو 169 دولاراً أميركياً (1,973,560 ليرة سورية قديمة أو 19,735 ليرة جديدة)، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 2 بالمئة بالدولار الأميركي و4 بالمئة بالليرة السورية مقارنة بتشرين الأول 2025، نتيجة تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار الفعلية، وفق تقارير أممية.

وسلة الإنفاق مؤشر يحدد الحد الأدنى من السلع والخدمات الأساسية التي تحتاجها أسرة مكونة من ستة أفراد لمدة شهر واحد لتأمين معيشة كافية ضمن المعايير المحلية.

المدى الزمني
تُظهر المؤشرات الرسمية وجود تحسن تدريجي في الأداء المالي والاقتصادي، إذ تشير تقديرات موازنة 2026 إلى أن الإيرادات المتوقعة تبلغ نحو 8.716 مليارات دولار، مقابل نفقات تُقدَّر بنحو 10.516 مليارات دولار، وهي مستويات تتجاوز ثلاثة أضعاف إنفاق عام 2025.

وعلى صعيد السنوات السابقة، سجلت الإيرادات العامة في 2025 نحو 3.493 مليارات دولار، مقابل إنفاق بلغ 3.447 مليارات دولار، مع ارتفاع في الإيرادات بنسبة 120 بالمئة مقارنة بعام 2024، الذي بلغت فيه الإيرادات 1.585 مليار دولار مقابل إنفاق 2.366 مليار دولار، بعجز قدره 781 مليون دولار.

أما في عام 2023، فقد بلغت الإيرادات 1.176 مليار دولار مقابل إنفاق 1.995 مليار دولار، بعجز وصل إلى 819 مليون دولار.

وفيما يتعلق بالناتج المحلي الإجمالي، فقد بلغ 28.5 مليار دولار في 2023، وارتفع إلى 28.8 مليار دولار في 2024، ثم إلى 30.6 مليار دولار في 2025، مع توقعات بوصوله إلى 33.7 مليار دولار.

لكن في علم الاقتصاد، “وبحسب تجارب الدول، تتحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية خلال 1-2 سنة، في حين يحتاج انعكاسها على المعيشة من 2 إلى 5 سنوات، وخلال هذه الفترة تظهر فجوة الإدراك، وتبرز إصلاحات مؤلمة ونتائج بطيئة مع توترات اجتماعية”، وفق رحال.

وفي الوضع المحلي، قال رحال: “إذا نظرنا بشكل تقريبي إلى الواقع، فقد وصلت زيادات الرواتب إلى 50-100 بالمئة في بعض الحالات، بينما يُقدَّر التضخم الفعلي بين 70-120 بالمئة، والبطالة بين 25-40 بالمئة، ويتجاوز الفقر 80 بالمئة، ما يعني أن أي زيادة مالية تُستهلك بسرعة بسبب الأسعار، ولا ينعكس التحسن فعلياً على حياة الناس”.

وبحسب حاكم المصرف المركزي عبد القادر الحصرية، حققت سوريا تقدماً ملحوظاً في كبح التضخم قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، موضحاً في تصريح لقناة “العربية” أن معدل التضخم انخفض من 117 بالمئة ليلة سقوط النظام المخلوع إلى نحو 15 بالمئة بنهاية عام 2025، لافتاً إلى أن أرقام كانون الثاني 2026 أظهرت معدلات تضخم عند حدود 1.9 بالمئة، قبل أن تفرض الحرب واقعاً جديداً.

وأكد الخبير الاقتصادي عمق الأزمة البنيوية، موضحاً أن المشكلة ليست في خطأ الحكومة أو في مبالغة الناس، بل في أن كل طرف يرى جانباً مختلفاً من الواقع؛ فالحكومة تركز على الاتجاه العام، بينما يعيش المواطن التفاصيل اليومية، وبينهما تتشكل فجوة في الثقة.

وأضاف: “في كثير من الدول التي تمر بمرحلة انتقالية، نجد أن أكثر من 60 بالمئة من الناس يعتقدون أن الوضع الاقتصادي سيئ، رغم وجود نمو اقتصادي فعلي”.

مسارات الحلول
يطرح رحال مسارات للحلول وتقليص هذه الفجوة، موضحاً أن التجارب الدولية تشير إلى أن الحل يتطلب تسريع انعكاس التحسن الاقتصادي على حياة المواطنين، من خلال دعم مباشر وانتقائي للفئات الأكثر هشاشة، وخلق فرص عمل سريعة عبر دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى تمويل محدود، وليس فقط المشروعات طويلة الأجل.

كما شدد على ضرورة ضبط الأسعار بالتوازي مع رفع الدخل، لأن أي زيادة دون كبح التضخم تفقد قيمتها، إضافة إلى تعزيز الشفافية عبر تقديم أرقام واقعية، وتوزيع عادل لمكاسب النمو بحيث تشمل مختلف فئات المجتمع.

وأشار إلى أن الاقتصاد قد يشهد تحسناً في مؤشرات الدولة على الورق قبل أن ينعكس ذلك في الواقع المعيشي للمواطن، لكن الاستقرار الحقيقي يُقاس بمدى قدرة الناس على تأمين احتياجاتهم الأساسية وسبل العيش الكريم، لافتاً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب إدارة دقيقة وحكيمة ووعياً عميقاً بمساراتها، لتفادي تحول “فجوة الإدراك” إلى أزمة ثقة واسعة.

الثورة

تعليقات الزوار
  1. تعليقك
  2. أخبرنا قليلاً عن نفسك