ما الدور المرتقب لسوق دمشق للعملات والذهب؟
الاقتصاد اليوم:
لا يستقيم أي نشاط اقتصادي دون قواعد واضحة وإطار تنظيمي منضبط، وتزداد أهمية ذلك حين يتعلق الأمر بسوق الصرف والذهب، باعتبارها إحدى أبرز ركائز الحركة الاستثمارية والتجارية.
انطلاقاً من هذه الاعتبارات، جاء الإعلان عن إطلاق منصة إلكترونية جديدة لتنظيم تداول العملات الأجنبية والذهب، في وقت لا تزال فيه سوق الصرف تعاني من تباينات حادة بين السعر الرسمي والموازي، ما يجعل المشروع الجديد محل ترقب من الفاعلين الاقتصاديين بين اعتباره أداة تنظيم حديثة، أو اختباراً عملياً لمدى جاهزية السياسة النقدية للتحول نحو إدارة أكثر انفتاحاً وفاعلية.
وأعلن مصرف سوريا المركزي، الخميس، إحداث منصة إلكترونية جديدة تهدف إلى تنظيم تداول العملات الأجنبية والذهب، في إطار جهود إعادة ضبط سوق الصرف وتعزيز الثقة بالقطاع المالي.
وأوضح حاكم المصرف عبد القادر الحصرية، في تصريحات رسمية، أن إحداث هذه السوق خطوة محورية في مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي، وذلك تنفيذاً لاستراتيجية المصرف، ولا سيما الركيزة الثانية المتمثلة في تحقيق سوق صرف متوازن وشفاف استناداً لقرار رئاسة مجلس الوزراء بهذا الشأن رقم 189 لعام 2025.
كما يأتي هذا التوجه يأتي ضمن حزمة من القرارات التي اتخذها المركزي لإعادة هيكلة سوق الصرف والمهن المالية المرتبطة بها، مع التأكيد على التزام المصرف بمواصلة تنفيذ استراتيجيته الشاملة، بما يحقق التوازن في سوق الصرف، ويدعم مسيرة التعافي الاقتصادي.
ومن المقرر أن تشارك في السوق ثلاثة أطراف رئيسة تشمل المصارف، وشركات الصرافة، والمستوردين والمصدرين، على أن تُشكَّل لجنة استشارية تضم هذه الجهات، إضافة إلى غرف التجارة والصناعة وخبير اقتصادي، لمواكبة إطلاق السوق، فيما ستسهم إحدى أكبر ثلاث شركات عالمية في دعم إنشائها، وفق ما قال الحصرية.
وتُحدَّد الأسعار بشكل لحظي انطلاقاً من سعر مرجعي أولي، قبل أن تتولى قوى العرض والطلب تعديلها بما يحقق التوازن. وشدد الحصرية على أن الهدف هو بناء “سوق صرف متوازنة وعادلة” ضمن استراتيجية أوسع للمصرف المركزي، بحيث تصبح هذه السوق أداة أساسية في السياسة النقدية والاقتصادية.
توحيد الأسعار
تهدف السوق الإلكترونية التي ستحدث لأول مرة في سوريا وفق المعايير الدولية، إلى تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يحدّ من التشوهات، ويعكس قوى العرض والطلب بدقة وآنية، وفق الحصرية.
كما ستسهم السوق في تعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، الأمر الذي يدعم ثقة المتعاملين، ويحدّ من المضاربات غير المنظمة، والقضاء على السوق السوداء، وأي أسواق أخرى موازية، وذلك لأول مرة منذ أكثر من 70 عاماً.
ويرى الخبير الاقتصادي حسام عايش، أن إنشاء منصة رسمية ومنظمة لتداول العملات الأجنبية، خاصة الدولار، إلى جانب الذهب، تحت إشراف المصرف المركزي، يمثّل خطوة مهمة.
وأوضح عايش، أن هذه المبادرة تهدف بشكل أساسي إلى استقطاب جزء كبير من النشاط المالي الذي يجري خارج القنوات الرسمية، بما في ذلك السوق الموازية أو السوداء، وتحويله إلى سوق شفافة تعتمد على أسعار معلنة وآليات تداول واضحة.
وبحسب عايش، من المفترض أن تعمل هذه المنصة كسوق إلكترونية متطورة توفر تسعيراً لحظياً وفق قوى العرض والطلب، وبمشاركة المؤسسات المالية المرخصة، بما يسهم في نقل سوق الصرف من حالة العشوائية إلى إطار أكثر تنظيماً واستقراراً.
وستدار السوق من خلال منصة تُحدَّث وفق المعايير الدولية، وبمشاركة أطراف ملتزمة بهذه المعايير، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويعزز كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب، ويخدم أهداف الاستقرار النقدي، وفق المركزي.
وستكون المنصة “سوقاً فعلية” تضم أطرافاً فاعلة تشمل المصارف وشركات الصرافة والمستوردين والمصدرين، يتم فيها تحديد السعر وفق العرض والطلب، تحت إشراف المركزي وليس عبر تسعير مباشر منه.
واعتبر عايش أن الأهمية الاقتصادية والمالية لهذه السوق تتمثل في قدرتها على تقليص تعدد أسعار الصرف من خلال تقريب السعر الرسمي من السعر الفعلي، ما يقلل الفجوة القائمة حالياً.
كما توفر السوق للمصرف المركزي أداة فعالة لتعزيز السياسة النقدية عبر مراقبة السيولة والتدخل عند الحاجة، إضافة إلى دورها في تعزيز الثقة بالقطاع المالي وتقليل الاعتماد على السوق غير المنظمة.
وأكد عايش أن هذه المنصة من شأنها أيضاً تحسين بيئة الاستثمار عبر توفير وضوح أكبر للمستوردين والمصدرين، الأمر الذي يساعد في التخطيط الاقتصادي والتجاري، فضلاً عن دورها غير المباشر في الحد من التضخم من خلال استقرار سعر الصرف وتقليل تقلباته.
كما يمكن أن تسهم المنصة في استقرار سعر الصرف عبر توحيد السعر المرجعي وتعزيز الشفافية والحد من المضاربات الناتجة عن فروقات الأسعار، وتتيح للبنك المركزي التدخل بشكل أكثر فاعلية داخل السوق، وفق عايش.
سوق صرف تخدم الاقتصاد
يمثل إحداث سوق دمشق للعملات والذهب تحولاً عن السياسات السابقة التي كان فيها المركزي يحدد سعر الصرف ويوجه السوق نحوه، ما أدى في كثير من الأحيان إلى “تشوهات، خاصة مع استمرار الاستيراد بأسعار غير واقعية، وهو ما يفاقم العجز التجاري ويخلق اختلالات هيكلية”، وفق ما قال الحصرية لقناة “الشرق”.
وأضاف الحصرية: “نحن نبني سوق الصرف من جديد وفقاً لأسس السوق هذه، بحيث يصبح لدينا سوق وسعر صرف في خدمة الاقتصاد، وليس المضاربين أو الحكومة”.
ورأى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن إطلاق السوق هدفه الأساسي ضبط سعر صرف الليرة السورية والحد من الاضطرابات في سوق الصرف.
واعتبر أن وجود سوق رسمية تحدد الأسعار وفق العرض والطلب بشكل علني يمكن أن يقلل من فرص التلاعب والمضاربات في السوق السوداء.
وقال الدبس إن إدخال العملات الأجنبية والمعادن الثمينة ضمن إطار رسمي منظم يعزز الرقابة على السيولة ويحد من النشاط غير النظامي، شريطة توفير بيئة قانونية واضحة وثقة حقيقية بين المتعاملين والدولة.
وأكد أن نجاح التجربة قد يسهم في تحقيق قدر من الاستقرار في سعر الصرف وتقليص الفجوة مع السوق الموازية، بينما قد يؤدي تعثرها إلى نتائج عكسية تزيد الضغط على الليرة وتعزز الاعتماد على الدولار.
وأرجع الحصرية، إدراج الذهب في السوق إلى اعتباره جزءاً من الاحتياطيات الوطنية، إضافة إلى تنظيم دخوله وخروجه بموجب قانون صدر في 2023، ما يستدعي تسعيره وفق معايير دولية.
مرحلة كسب ثقة
ستخضع المشاركة في السوق ستخضع لضوابط صارمة تتعلق بمكافحة غسل الأموال والامتثال، مع توجه لمنح شركات الصرافة التراخيص النهائية لتأهيلها للانضمام، في إطار تنظيم القطاع وتقليص الطابع غير الرسمي، وفق الحصرية.
وتمثل هذه الخطوة جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية مع الخارج، حيث تركز البنوك الدولية بشكل أساسي على بيئة الامتثال ومكافحة غسل الأموال.
واعتبر الحصرية أن وجود سوق منظمة وشفافة يحد من المخاطر ويمنح ثقة أكبر للمصارف الأجنبية، ما قد يسهم في إعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي العالمي، وهو ما يتقاطع مع خطوات سابقة شملت فتح قنوات محدودة مع بنوك خارجية وعودة إلى نظام التحويلات الدولية “سويفت”، فضلاً عن عودة محدودة لبعض قنوات التعامل مع مصارف خارجية بعد انقطاع دام أكثر من عقد.
وحدد الحصرية مجموعة مؤشرات لقياس نجاح السوق بعد إطلاقها، تشمل عدد المشاركين وحجم التداول ومدى تراجع السوق الموازية، إضافة إلى تضييق الفجوة بين سعري البيع والشراء، والتي تعكس كفاءة السوق.
وأكد أن هذه المرحلة تمثل “مرحلة كسب ثقة”، سواء داخلياً أم خارجياً، معتبراً أن بناء سوق منظمة يشكل ركيزة لتحسين فعالية السياسة النقدية.
ولفت عايش إلى جملة من التحديات التي قد تواجه المشروع، أبرزها استمرار قوة السوق الموازية، خاصة في حال بقاء الفجوة واسعة بين السعرين الرسمي والفعلي، إلى جانب ضعف ثقة المتعاملين في حال عدم توافر السيولة أو الاستقرار.
كما أشار إلى تحديات نقص العملات الأجنبية، والقيود التنظيمية أو البيروقراطية، واستمرار قنوات التحويل غير الرسمية.
وشدد عايش على أن نجاح هذه المبادرة يتطلب شروطاً أساسية، في مقدمتها الشفافية الكاملة في التسعير، وتوفير السيولة الكافية، وضمان الحياد التنظيمي وعدم تفضيل أي جهة، إلى جانب استقلالية إدارة السوق ووجود إطار قانوني صارم يحد من التلاعب والمضاربة غير المشروعة.
ولفت إلى أن تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والحقيقي يشكل عاملاً حاسماً في تعزيز الثقة ونجاح المنصة، مؤكداً أن ثقة المتعاملين تبقى الركيزة الأساسية لاستدامة المشروع، وهي ثقة تُبنى على الاستقرار والوضوح وسرعة الاستجابة.
ويرى عايش أن المشروع يمثل محاولة جدية لإعادة تنظيم سوق الصرف والذهب ضمن إطار مؤسسي حديث، إلا أن نجاحه يعتمد على واقعية السياسات النقدية، وتوافر العملات الأجنبية، والقدرة على تقليص الفجوة مع السوق الموازية، بما يعزز استقرار الاقتصاد بشكل عام.
وبين الطموح بإعادة تنظيم سوق الصرف والذهب ضمن إطار مؤسسي حديث، والتحديات المرتبطة بالثقة والسيولة والسوق الموازية، تبدو المنصة الجديدة اختباراً فعلياً لقدرة السياسة النقدية على الانتقال من المعالجة التقليدية إلى إدارة أكثر شفافية واستقراراً واستدامة للاقتصاد.
الثورة












