الاقتصاد اليوم ـ تغطية شاملة للأخبار الاقتصادية على مدار اليوم

 

مكافحة الفساد في سوريا: الطريق الإجباري نحو التعافي الاقتصادي

الاقتصاد اليوم:

يُعد الفساد واحداً من أعقد الملفات التي تواجه سوريا في مرحلة ما بعد التحرير، فبعد عقود من الاستنزاف المؤسسي والاقتصادي، باتت مواجهة هذه الظاهرة شرطاً أساسياً لإعادة الثقة في مؤسسات الدولة وتهيئة بيئة اقتصادية قادرة على جذب الاستثمارات.

وفي هذا الإطار، كانت منظمة الشفافية الدولية قد أصدرت خلال شباط 2025 تقريرها حول مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، والذي أظهر أن سوريا ما زالت ضمن قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم، محتلة المرتبة الرابعة كأسوأ الدول بعد حصولها على 12 نقطة فقط. ورغم أن هذا التصنيف يعكس تحسناً طفيفاً مقارنة بالعام السابق حين جاءت سوريا في المركز الثاني بالشراكة مع فنزويلا، إلا أنه يضع البلاد مجدداً في خانة الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات، حيث يشكّل الفساد أحد أبرز معوقات التعافي الاقتصادي والمؤسسي.

عام 2025 مثّل محطة مفصلية في هذا المسار، إذ تكشّفت ملفات ضخمة أظهرت حجم الاستنزاف الذي ضرب مؤسسات الدولة على مدى عقود، فقد كان الفساد زمن النظام البائد مستشرياً في كل مفصل إداري واقتصادي، من أصغر معاملة يومية في الدوائر الحكومية، وصولاً إلى أكبر المناقصات والعقود الاستراتيجية في قطاعات الطاقة والإسكان والمال العام. هذا التغلغل البنيوي جعل من الفساد منظومة ممنهجة تُستخدم كأداة للسيطرة السياسية والاقتصادية، وتُغذّي شبكات الولاء والزبائنية على حساب الشفافية والمصلحة العامة.

ومع التحرير والتغيرات الجذرية في مفاصل المؤسسات الحكومية، بدأت خيوط الفساد تتكشف تباعاً خلال العام الأول، لتظهر أمام الرأي العام صورة واضحة عن حجم التلاعب الذي كان ينهش جسد الدولة من الداخل. هذا الانكشاف لم يكن مجرد فضح لوقائع الماضي، بل مثّل بداية مرحلة جديدة عنوانها مكافحة الفساد كخيار لا رجعة عنه، وضرورة لإنقاذ الاقتصاد الوطني وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. ومع فتح هذه الملفات، بدا واضحاً أن الإصلاح الإداري والرقابة المالية لم تعد ترفا، بل شرطًا أساسياً لإعادة الإعمار وترسيخ أسس التنمية المستدامة.

وفي هذا التقرير، سنعرض حجم ملفات الفساد التي كُشفت، وكيف استطاع النظام البائد تكوين هذه الثغرات والشبكات التي عطّلت التنمية وأضعفت مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى استعراض آليات مكافحته ومنع تكراره في المرحلة الجديدة بعد التحرير، فمكافحة الفساد لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات والمشاريع، فيما باتت الشفافية ضرورة قصوى لإنعاش الاقتصاد الوطني وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

خلال عام 2025، كشفت السلطات السورية عن أكثر من 1198 قضية فساد، وتم تحصيل نحو 90 مليار ليرة سورية من الأموال المنهوبة، مع إحالة مئات المسؤولين والموظفين إلى القضاء والمحاكم المسلكية. أبرز القضايا شملت عقود توريد فاسدة، مخالفات في قطاعات الطاقة والإسكان، وشبهات إثراء غير مشروع بين مسؤولين سابقين.

جذور الفساد وتطوره عبر العقود
يؤكد الأكاديمي الدكتور زياد عربش الأكاديمي، أن الفساد في سوريا لم يكن وليد اللحظة، بل تدرج منذ استقلال البلاد، وبدأ يظهر بشكل أوضح في ستينيات القرن الماضي تحت حكم الأسد الأب، حيث كان محصوراً نسبياً بفئة ضيقة من المقربين، إلا أن الثمانينيات شهدت تعميماً للفساد بعد تدفق عطاءات دول الخليج العربي في السبعينيات، ثم مع دخول سوريا إلى لبنان وما رافقه من فرض إتاوات ومنح امتيازات خاصة لطبقة سياسية واسعة هناك.

ويضيف عربش أن التسعينيات وما تلاها مع حكم بشار الأسد مثّلت مرحلة جديدة، حيث توسع الفساد تحت مسمى “الإصلاح والخصخصة”، وتحولت الدولة إلى ما يشبه “صندوق أسود” للشركات الوهمية والاحتكار الاقتصادي، مع استغلال موارد النفط والمخدرات، وتسلط قلة على عطاءات القطاع ونهب جزء من عوائد التصدير.

من جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي إيهاب إسمندر، أن سوريا صُنفت ثالث أكثر دولة فساداً في العالم لعام 2024 وفق منظمة الشفافية الدولية، مشيراً إلى أن الفساد لم يعد مجرد ظاهرة إدارية، بل تحول إلى ممارسات منظمة تورطت فيها جهات عليا في النظام، وتغلغل داخل الأجهزة الأمنية نفسها، وهي المفترض أن تكون مسؤولة عن مكافحته.

يرى عربش أن السبب الجوهري وراء كثافة الفساد هو غياب الرقابة الفعلية أكثر من ضعف القوانين، حيث اعتمد النظام على شبكات الولاء لتوزيع الامتيازات والإتاوات، مع وجود قوانين شكلية مثل مرسوم 60 لعام 1977 الذي لم يُفعّل. (المرسوم يتضمن تشكيل لجنة التحقيق في الكسب غير المشروع).

ويوافقه إسمندر جزئياً، مؤكداً أن القانون بحد ذاته ليس سبباً للفساد، بل طريقة تطبيقه أو الالتفاف عليه، لكنه شدد على ضرورة تعديل القوانين وإلغاء المواد التي تتيح الاستثناءات، لأنها غالباً ما تُستخدم لتمرير ممارسات غير قانونية. ويرى أن معالجة هذه الظاهرة تكون عبر إجراءات رادعة ضد من يتطاولون على القانون أو يحاولون تجييره لصالح تمرير الفساد، مع منع وجود مواد الاستثناء قدر الإمكان.

يصف عربش منظومة الفساد بأنها بدأت كتراكمات إدارية ثم تحولت إلى نظام ممنهج يخدم السيطرة السياسية والاقتصادية عبر الخصخصة والاحتكار، مع تحويل الدولة إلى أداة للنهب المنظم. ويتفق معه إسمندر، مضيفاً أن هذه المنظومة بُنيت على عوامل هيكلية مثل ترهل المؤسسات وضعف الأجهزة الرقابية والقضائية وعدم استقلالها، إضافة إلى عوامل سلطوية كاستخدام الفساد أداة للسيطرة وإضعاف البرلمان والإعلام، وتراجع معايير الكفاءة في شغل المناصب الحكومية.

ويشدد عربش على ضرورة تمكين هيئة الرقابة المالية المركزية والجهاز المركزي للرقابة المالية، وإنشاء منصات إلكترونية للشكاوى، وحماية المبلغين عن الفساد، وضمان استقلالية القضاء، وتوسيع المشاركة المدنية. ويوافقه إسمندر الرأي، مضيفاً أن التحول الرقمي والحوكمة عبر “الحكومة الإلكترونية” ضروري لتقليل الاحتكاك البشري الذي يفتح المجال للفساد، إلى جانب تعزيز دور الإعلام والمجتمع المدني في كشف القضايا، والاعتماد على أصحاب الكفاءة في شغل المراكز الوظيفية، لا سيما تلك المرتبطة بمحاربة الفساد.

القوانين المطلوب تعديلها أو سنّها
يرى عربش أن من أبرز القوانين التي يجب تعديلها أو سنّها:

قانون العقوبات لتشديد عقوبات الرشوة والإثراء غير المشروع.
قوانين الذمة المالية والكشف المالي الإلزامي.
قوانين مكافحة غسيل الأموال وحماية المبلغين.
إصلاح البنك المركزي لضمان الشفافية في السياسات النقدية.
أما إسمندر فحدد قوانين أساسية مثل:

قانون العقود للجهات العامة رقم 51.
قانون العقوبات الاقتصادية رقم 3 لعام 2013.
إصلاح القضاء وضمان استقلاليته باعتباره حجر الزاوية.
وضع منظومة لقياس أثر التشريع.
إدراج نصوص دستورية لمحاربة الفساد، بما في ذلك استقلال أجهزة مكافحة الفساد، وفصل السلطات، وضمان حرية الإعلام.

أثر مكافحة الفساد على الاقتصاد
يتفق الخبيران على أن الشفافية والنزاهة تمثل مدخلاً أساسياً للنمو الاقتصادي، حيث تساهم في بناء الثقة وجذب الاستثمارات الأجنبية عبر تقليل المخاطر. ويضيف إسمندر أن مكافحة الفساد تعيد الثقة في مؤسسات الدولة وتساعد على الانتقال إلى نموذج الاقتصاد الإنتاجي بعيداً عن اقتصاد الريع، بينما يرى عربش أن الشفافية في الجهاز الإداري والقطاع الخاص هي أساس لتحفيز النمو وتعزيز الخدمات العامة.

كما يعتبر عربش أن المرحلة الحالية تمثل فرصة تاريخية لبناء اقتصاد نظيف قائم على الثقة، لكنه يحذر من أن الإرث الفاسد والتحديات السياسية قد تعيق ذلك إن لم تُعالج بإصلاحات جذرية ومستدامة. ويتفق معه إسمندر، مشيراً إلى أن التحديات تشمل البنية التحتية المنهكة، قلة الكفاءات الحكومية، وعدم استكمال مقومات الدولة الجديدة، لكنه يرى أن مكافحة الفساد تبقى شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات وإعادة الإعمار.

نهاية القول، إن استعراض جذور الفساد في سوريا وتطوره عبر العقود، وصولاً إلى الملفات التي تكشّفت بعد التحرير، يوضح أن هذه الظاهرة لم تكن مجرد انحرافات فردية، بل منظومة متكاملة استُخدمت كأداة للسيطرة السياسية والاقتصادية. ومع ذلك، فإن المرحلة الراهنة تحمل فرصة تاريخية لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس من الشفافية والنزاهة، شرط أن تُترجم الإرادة السياسية إلى إصلاحات جذرية وتشريعات صارمة تضمن استقلال القضاء، وتحصين الأجهزة الرقابية، وتفعيل دور المجتمع المدني والإعلام.

فالفساد لم يعد مجرد ملف إداري أو قانوني، بل قضية وجودية تمس مستقبل الاقتصاد الوطني وقدرته على التعافي وجذب الاستثمارات. وإذا ما نجحت سوريا في تحويل مكافحة الفساد إلى مسار عملي ومستدام، فإن ذلك سيشكل نقطة تحول حقيقية نحو اقتصاد إنتاجي نظيف قائم على الثقة، قادر على إعادة الإعمار وترسيخ التنمية المستدامة. أما التردد أو الاكتفاء بالشعارات، فسيعني إعادة إنتاج أزمة الفساد وإطالة عمرها.

وسيم إبراهيم

نون بوست

تعليقات الزوار
  1. تعليقك
  2. أخبرنا قليلاً عن نفسك