من تحوّط فردي إلى واقع تجاري مفروض.. تسارع الدولرة في الأسواق السورية
الاقتصاد اليوم:
أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، عبد الرحمن محمد، يقول إنّ انتشار ظاهرة "دولرة" الأسواق يعكس حالة عميقة من انعدام الثقة بالليرة السورية، في ظل تدهور قيمتها وارتفاع معدلات التضخم، ما يجعل الدولار الخيار الأكثر أماناً للتجار والمستهلكين.
ويرى محمد أن بعض التجار يلجؤون إلى التسعير بالدولار للتحوّط من تعقيدات المرحلة المقبلة، خاصة مع الحديث عن تغيير محتمل للعملة السورية، مشيراً إلى أن التضخم وانهيار الليرة من أبرز دوافع تثبيت الأسعار بالدولار.
ويضيف أن ربط الأسعار بسعر صرف السوق السوداء، نتيجة لغياب الثقة بالسياسات النقدية، يؤدي إلى ارتفاعات غير متوقّعة في الأسعار، ما يزيد العبء على المستهلكين ويغذي التضخم.ويحذّر من أن "استمرار الدولرة على المدى الطويل قد يفاقم الأزمات الاقتصادية، عبر إضعاف العملة الوطنية وتعميق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية"، داعياً الحكومة إلى استعادة الثقة بالليرة من خلال سياسات نقدية فعالة، وتعزيز الشفافية، ودعم الإنتاج المحلي، وتقديم حوافز لتثبيت الأسعار بالليرة.
تحوّط أم تهرّب؟
من جانبه، يوضح الباحث الاقتصادي ملهم جزماتي أن ما يجري في سوريا لا يرقى إلى "دولرة كاملة"، بل يندرج ضمن "دولرة التسعير"، حيث يُستخدم الدولار كمرجع لتحديد الأسعار، حتى وإن جرى الدفع بالليرة.
ويشير إلى أن هذه الظاهرة أكثر انتشاراً في السلع طويلة الأمد والإيجارات والخدمات المرتبطة بالاستيراد والطاقة، وأقل حدّة في السلع اليومية سريعة الدوران، حيث يرى أنها ليست سلوكاً مزاجياً، بل نتيجة لفقدان الليرة لوظيفتها كمخزن للقيمة ومرساة للتسعير.
ويضيف أن التضخم وفقدان الثقة هما المحركان الأساسيان لهذه الظاهرة، إذ يصبح التسعير بالدولار أداة تحوّط ضد الانخفاض السريع في قيمة الليرة.
وحول اتهام التجار بالتهرب من تعقيدات المرحلة المقبلة، يوضح جزماتي، أنّ بعضهم يبالغ فعلاً في توسيع هوامش الربح، لكن كثيرين يتصرفون بمنطق دفاعي في غياب أدوات تمويل أو حماية من تقلبات الصرف، مؤكداً أن الخوف من المرحلة المقبلة يندرج ضمن منطق إدارة المخاطر.
"النشرة الرسمية مرجعية إدارية"
عن أسباب ربط التجار أسعارهم بسعر صرف السوق السوداء، أوضح جزماتي، أنّ هذا السلوك يرتبط مباشرة بفقدان سعر الصرف الرسمي دوره كمرجعية موثوقة للتسعير.
وتابع: "خلال المرحلة الماضية، حاول المصرف المركزي توحيد السعرين الرسمي والموازي عبر نشرات موحّدة وتعديلات إدارية متكررة، في مسعى لإعادة بناء مرجعية واحدة للسوق، غير أن هذه المحاولات اصطدمت بغياب تحسّن اقتصادي فعلي، وبنقص واضح في الاحتياطات من القطع الأجنبي، إضافة إلى عدم توافر سيولة كافية من العملة المحلية تمكّن المركزي من التدخل المؤثر في السوق".
وفي ظل هذه القيود، تراجعت قدرة المصرف المركزي على مواكبة الطلب على القطع الأجنبي أو فرض سعر توازني مستدام، فتحوّلت النشرات الرسمية من أداة لتصحيح السوق إلى آلية لمجاراة حركة السوق السوداء وتثبيتها بأثر رجعي.
ونتيجة لذلك، بات التجار يتعاملون مع السعر الموازي بوصفه السعر الفعلي الذي يعكس كلفة إعادة التموين والاستيراد، في حين يُنظر إلى السعر الرسمي على أنه مؤشر إداري محدود التأثير، وفق جزماتي.
"اختلال التوازن واتساع الفجوة"
يؤكد الباحث الاقتصادي ملهم جزماتي، أنّ "دولرة التسعير" تضرب المواطن ذي الدخل الثابت في الصميم، إذ تتآكل القوة الشرائية للأجور مع كل ارتفاع في سعر الصرف، في حين تبقى الدخول عاجزة عن اللحاق بالأسعار.
ويشير إلى أنّ الأجور باتت تمثل جزءاً هامشياً من كلفة الإنتاج، في حين تُحدّد الأسعار وفق سعر الصرف وتكاليف الاستيراد والطاقة، ما يضع المواطن بين دخل ثابت وسوق مسعّرة بالدولار، ويدفعه إلى تقليص الاستهلاك واستنزاف المدخرات.
كذلك، أوضح جزماتي، أنّ الدولرة تضع القطاعات الإنتاجية المحلية أمام معضلة حقيقية، بين رفع الأسعار وخسارة الطلب المحلي، أو تثبيتها وتآكل الهوامش، ما يؤدي إما إلى تراجع الجودة والإنتاج، أو إلى توجيه الإنتاج نحو الأسواق القادرة على الدفع بالدولار، على حساب السوق المحلية والأمن الغذائي.
"من سلوك دفاعي إلى بنية سوق موازية"
أكّد جزماتي، أنّ دولرة التسعير تنعكس على المواطن ذي الدخل الثابت بوصفها أحد أكثر أشكال عدم المساواة الاقتصادية حدّة، إذ تتآكل القوة الشرائية للأجور بسرعة مع كل موجة ارتفاع في سعر الصرف، في وقت تبقى فيه الدخول عاجزة عن ملاحقة الأسعار.
وتتعمّق هذه الفجوة عند النظر إلى تجارب رفع الرواتب والأجور خلال الفترات الماضية، حيث لم يكن لهذه الزيادات أي أثر فعلي في تعويض الخسائر المتراكمة في الدخل الحقيقي، ولا في كبح تدهور القدرة الشرائية.
ويعزو الجزماتي ذلك إلى أن الأجور في الاقتصاد السوري باتت تمثل عنصراً هامشياً في الكلفة الإجمالية، في حين تُحدَّد الأسعار فعلياً وفق سعر الصرف وتكاليف الاستيراد والطاقة، لا وفق مستوى الأجور المحلية.
وبهذا المعنى، يجد المواطن نفسه محاصراً بين دخل ثابت بالليرة وسوق مسعّرة بالدولار، ما يدفعه إلى تقليص استهلاكه، واستنزاف مدخراته، وزيادة اعتماده على التحويلات أو الديون، في مسار يفاقم الهشاشة الاجتماعية ويقوّض الاستقرار المعيشي على المدى المتوسط.
وعن أثر دولرة الأسعار على القطاعات الإنتاجية المحلية، يبيّن أن هذه الظاهرة تضع الصناعة والزراعة في مأزق اختلال التوازن، إذ تصبح غالبية مدخلات الإنتاج (الطاقة، قطع الغيار، الأعلاف، الأسمدة، النقل) مسعّرة فعلياً بالدولار أو مرتبطة به، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية في السوق المحلية المقومة بالليرة.
ففي حال رفعت المنشآت أسعارها بما يوازي الدولار، فإنها تخاطر بخسارة الطلب المحلي، وإن امتنعت عن الرفع، تتآكل هوامشها التشغيلية وقد تُجبر على التوقف.
وغالباً ما تقود هذه المعادلة إلى أحد مسارين:
إما تقليص الجودة وحجم الإنتاج، وإفراغ السوق من المنتج المحلي لصالح المستورد أو المهرّب.
أو التحوّل نحو البيع لمن يملك القدرة على الدفع بالدولار (سواء عبر أسواق محددة، أو التصدير، أو التركيز على السلع الكمالية)، مع ترك "سوق الداخل" ينكمش.
وفي الزراعة تحديداً، قد تدفع الدولرة المزارعين إلى تغيير التركيب المحصولي نحو محاصيل أسرع سيولة أو قابلة للتصدير، على حساب الأمن الغذائي المحلي.
الدولرة من سلوك دفاعي إلى بنية سوق موازية
يحذّر جزماتي من أن الخطر الأكبر لـ"دولرة التسعير" على المدى الطويل، يتمثّل في تحوّلها من سلوك دفاعي مؤقت إلى بنية سوق موازية تُضعف دور العملة الوطنية وتفرغ السياسة النقدية من أدواتها.
ومع توسّع هذه الظاهرة، يتسع تلقائياً حجم الاقتصاد غير الرسمي والسوق الموازي، حيث تتم عمليات التسعير والتعاقد خارج الأطر الرقابية والضريبية، ما يقلّص قدرة الدولة على الضبط والتحصيل، ويزيد من التشوهات بين الأسعار المعلنة والأسعار الفعلية.
ويكرّس هذا المسار انعدام الشفافية، ويجعل السوق أكثر عرضة للمضاربات والتقلبات الحادة، كما يخلق اقتصاداً مزدوجاً يفصل بين من يملك دخلاً أو تسعيراً بالدولار، ومن يبقى أسير الدخل بالليرة.
وتُعدّ واحدة من أخطر نتائج الدولرة عدم تماثل حركة الأسعار مع سعر الصرف، إذ ترتفع الأسعار بسرعة وبحدّة عند صعود الدولار، لكنها لا تعود إلى مستوياتها السابقة بالسرعة نفسها ولا بالمقدار ذاته عند تراجعه، ما يعني أن كل موجة تراجع في قيمة الليرة تترك أثراً دائماً على مستوى الأسعار وعلى القوة الشرائية للمواطن.
"خيارات حكومية محدودة"
يشير جزماتي إلى أنّ الحكومة تواجه معضلة اقتصادية مركّبة، تجمع بين تضخم مرتفع يستدعي كبح الطلب، وانكماش اقتصادي يتطلب في الوقت نفسه تحفيزاً مدروساً للنمو، حيث يضع هذا الواقع صانع القرار أمام ضرورة التخلّي عن السياسات العامة غير المميّزة، لصالح مقاربات أكثر دقة وانتقائية.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى سياسة نقدية أكثر وضوحاً وشفافية من المصرف المركزي، تُحدِّد أولويات التدخل وحدوده بوضوح، وتُخفّف من حالة عدم اليقين التي تدفع السوق إلى الاحتماء بالدولار.
ويضيف أن توجيه السيولة والدعم بات ضرورة ملحّة نحو قطاعات إنتاجية ذات أولوية، وفي مقدمتها الزراعة، نظراً لدورها المباشر في زيادة العرض وكبح الضغوط السعرية، بالتوازي مع ضبط الإنفاق والسيولة في القطاعات غير الإنتاجية التي تغذّي المضاربات ولا تولّد قيمة مضافة حقيقية.
من دون هذا التمييز الواضح بين ما يجب تحفيزه وما ينبغي تقييده، ستبقى "دولرة التسعير" نتيجة لطبيعية لمسار اقتصادي مختل، لا يمكن احتواؤها عبر إجراءات إدارية فقط.
تلفزيون سوريا
|
تعليقات الزوار
|
|












