الاقتصاد اليوم ـ تغطية شاملة للأخبار الاقتصادية على مدار اليوم

 

منع الاستيراد: حماية للمزارع أم عبء على المستهلك؟

الاقتصاد اليوم:

في خطوة جديدة ضمن مسار تنظيم حركة الاستيراد في القطاعين الزراعي والحيواني، أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قراراً يقضي بمنع استيراد عدد من المنتجات لفترات زمنية محددة خلال العام الحالي.

ويأتي القرار ضمن توجه يهدف إلى إعادة ضبط توازنات السوق المحلية، بما يوسع هامش تصريف الإنتاج المحلي خلال مواسم الذروة، عبر ربط آليات الاستيراد بالمعطيات الإنتاجية المتوقعة ومستويات العرض في الأسواق.

غير أن هذا الإجراء يفتح باب التساؤلات حول انعكاساته المحتملة على الأسعار وتوافر السلع خلال المرحلة المقبلة، في ظل تباين التقديرات بشأن قدرة السوق على التكيف مع هذه التغييرات.

نافذة زمنية محمية
أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير، يوم الإثنين، القرار رقم /10/ لعام 2026، القاضي بمنع استيراد عدد من المنتجات الزراعية خلال فترات زمنية محددة من العام الحالي، وذلك في إطار متابعة واقع الأسواق المحلية وحرصاً على دعم وحماية المنتج الوطني.

وجاء القرار على النحو الآتي:

المادة الأولى: منع استيراد بيض الطعام والفروج طازجاً ومجمداً وأجزائهما.
المادة الثانية: منع استيراد البطاطا والبصل والثوم والكوسا والخيار والفاصولياء، وذلك اعتباراً من 1 أيار 2026 وحتى 31 تشرين الأول 2026.

المادة الثالثة: منع استيراد البندورة والباذنجان والفليفلة الخضراء والبطيخ (الأحمر والأصفر)، اعتباراً من 1 حزيران 2026 وحتى 31 تشرين الأول 2026.

المادة الرابعة: منع استيراد المشمش والخوخ والكرز والدراق، اعتباراً من 1 حزيران 2026 وحتى 31 آب 2026.

المادة الخامسة: منع استيراد الفليفلة الحمراء والتين والعنب والتفاح والأجاص، اعتباراً من 1 آب 2026 وحتى 31 تشرين الأول 2026.

المادة السادسة: منع استيراد مادة الرمان، اعتباراً من 1 أيلول 2026 وحتى 31 كانون الأول 2026.

ويرى الخبير في الاقتصاد والتخطيط وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي أن القرار لا يمكن اختزاله في توصيف “صحيح” أو “خاطئ” بشكل مطلق، لكن يمكن النظر إليه كأداة تدخل اقتصادي استراتيجي تُستخدم في ظروف استثنائية وحساسة.

وقال الزنبركجي  إن جوهر هذا القرار يتمثل في إعادة هندسة العلاقة بين الإنتاج الوطني والتجارة الخارجية، بهدف خلق “نافذة زمنية محمية” للمزارع المحلي، تتيح له تسويق محصوله بعيداً عن ضغوط المنافسة الدولية المباشرة، ولا سيما خلال مواسم ذروة الإنتاج.

وأضاف أن هذا التوجه ينطلق من تشخيص لمشكلة “إغراق السوق”، إذ تتدفق منتجات أجنبية بكميات كبيرة وبأسعار منخفضة نتيجة دعم حكومي في بلدان المنشأ أو انخفاض تكاليف الإنتاج. ويتابع أن هذا الإغراق يؤدي إلى تراجع الأسعار المحلية، ما يضع المزارع السوري أمام خيارين صعبين: تقليص الإنتاج أو ترك النشاط الزراعي كلياً.

ووصف القرار بأنه بمثابة درع واقية تضمن تصريف المحصول بأسعار عادلة ومستقرة، ما يعيد الثقة للمزارع ويحفزه على الاستثمار في المواسم القادمة، وهو ما يمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي واستدامة المساحات المزروعة.

نقطة التوازن الحرجة
يعكس توقيت المنع الموزع زمنياً محاولة لمواءمة السياسة التجارية مع الدورة البيولوجية للمحاصيل، فيما يسهم هذا الإجراء، من الناحية الاستراتيجية، في تخفيف الضغط على احتياطيات العملة الصعبة عبر تقليل فاتورة الاستيراد في فترات الوفرة، وفق الزنبركجي.

مع ذلك، نبه الخبير إلى أن هذه الفائدة مشروطة بدقة البيانات، إذ إن أي خطأ في تقدير حجم الإنتاج المحلي قد يحول منع الاستيراد إلى “أزمة نقص”، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتحفيز قنوات التهريب غير الرسمية، وينعكس في النهاية على خروج غير منضبط للقطع الأجنبي، بما يقوض الأهداف النقدية للقرار.

ويتمثل التحدي الأكبر في إدارة هذا الملف، وفق الزنبركجي، في إيجاد “نقطة التوازن الحرجة” بين مصلحة المنتج في الحصول على سعر مجزٍ، وحق المستهلك في الوصول إلى سلع بأسعار معقولة.

وأوضح أن غياب المنافسة الخارجية قد يضعف الحوافز نحو تحسين الجودة أو خفض التكاليف، ويزيد العبء المعيشي على المواطن، كما أن ضعف الرقابة قد يفتح الباب أمام ممارسات احتكارية وتخزين للسلع بهدف رفع أسعارها، وهي مخاطر تتفاقم في حال عدم وجود إجراءات مرافقة صارمة.

إدارة المخاطر
حدد الزنبركجي مجموعة من المخاطر المرتبطة بهذا القرار، أبرزها اتساع الفجوة السعرية، ما يشجع على التهريب ونشوء أسواق موازية، إضافة إلى انخفاض الجودة نتيجة غياب المنافس الأجنبي، وكذلك ضعف البيانات الإحصائية، حيث قد يتحول القرار في غياب الأرقام الدقيقة من تخطيط علمي إلى “تخمين” يؤدي إلى اختلالات حادة.

ويُضاف إلى الأسباب السابقة، الاتكالية الإنتاجية، التي قد تضعف القدرة التنافسية للمنتج المحلي على المدى الطويل.

واقترح الزنبركجي الانتقال من “المنع المطلق” إلى سياسات أكثر مرونة، تشمل الرسوم الجمركية المتدرجة، بما يوفر حماية نسبية دون إغلاق السوق بالكامل، إضافة إلى نظام حصص الاستيراد (Quotas)، عبر السماح بدخول كميات محدودة عند استشعار أي نقص في العرض.

كما دعا إلى تطوير البنية التحتية من خلال الاستثمار في سلاسل التبريد والتخزين لتقليل الفاقد الزراعي، إلى جانب تدخل حكومي مباشر عبر لعب دور “المشتري الأخير” لتخزين المحاصيل وإعادة طرحها في أوقات الندرة، بما يحقق استقراراً سعرياً شاملاً.

وشدد على أن هذا القرار أداة حساسة تتطلب إدارة رشيقة، فإذا نُفذ كجزء من منظومة متكاملة تدعم الإنتاج وتراقب الأسواق بدقة، فإنه يحقق أهدافه التنموية، أما إذا طُبق بشكل معزول، فإنه يهدد بخلق تشوهات اقتصادية تتجلى في التضخم والتهريب وتراجع الثقة في السياسات الاقتصادية الكلية.

بالمقابل، يرى الخبير الاقتصادي وأمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، أن القرار “خاطئ”، لعدم إمكانية توقع حجم الإنتاج أو توفره بعد شهرين أو أربعة أشهر، متسائلاً: “ماذا نعرف عن شكل الأسواق لاحقاً؟ وكيف ستكون حال المنتجات والإشكالات التي قد تطرأ؟”.

وأوضح حبزة أن المزارعين في الماضي كانوا يقولون “حتى يثبت الضمان”، مشيراً إلى أنه لا يمكن ضمان بستان أو محصول لم يخرج إلى الضوء بعد.

وأضاف: نحن نتحدث الآن عن موسم الصيف كاملاً، فواكه وخضروات الصيف كلها شملها القرار، وهذا أمر “لا يستقيم اقتصادياً”.

وتابع: نحن لا نعلم ما هي التغيرات والتبدلات التي ستحدث، وهل ستكفي الكميات المنتجة حاجة السوق أم لا؟ مشيراً إلى أنه كان من الأجدى التحدث عن شهر واحد فقط (أيار مثلاً)، ليتضح الظرف والمواد المتوفرة، ومعرفة وضع البيض والفروج، وتقدير توقعات الإنتاج الحقيقية.

ويستبعد حبزة أن ينعكس القرار إيجابياً على المنتج المحلي، مستشهداً بتجارب سابقة، قائلاً: “لقد رأينا كيف وصل سعر التين إلى 30 ألف ليرة، والعنب لم يتراجع عن 25 ألفاً، وحتى البطيخ الذي هو طعام غالبية المستهلكين كان مرتفعاً العام الماضي، وكذلك المشمش والكرز اللذان لم يذقهما الكثيرون بسبب أسعارهما الخيالية”.

وشدد على أن هذا منع الاستيراد يحتاج إلى دراسة واقعية ميدانية، محذراً من أن منع استيراد البيض والفروج الطازج سيؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعارها فوراً، لأن التجار سيأخذون احتياطاتهم ويبدؤون بالاحتكار، في ظل غياب خطة واضحة تدعم المدخلات (كهرباء، أسمدة، مبيدات) التي ارتفعت أسعارها بشكل جنوني.

المراجعة الشهرية
يعزز عضو لجنة تجار ومصدري الخضار والفواكه في سوق الهال بدمشق محمد العقاد، ما طالب به أمين سر جمعية حماية المستهلك، مشدداً على أن الأحوال الجوية هي العامل الأساسي والوحيد في هذا القطاع.

وقال العقاد، إن قرارات منع الاستيراد يجب أن تكون شهرياً، كما كانت في السابق، أو كل شهرين على الأكثر.

وأضاف: لا أحد يعرف ماذا سيحدث مع الموسم بعد ساعة واحدة، فقد تأتي موجة حر مفاجئة أو يتعرض المحصول لقلة المياه، والمزارعون أنفسهم لا يملكون ضمانات.

وأوضح العقاد أن الزراعة تخضع لظروف آنية، إذ إن ساعة واحدة من الطقس القاسي قد تكون كفيلة بتدمير محاصيل خُطط لها على مدى أشهر. لذلك، فإن المرونة هي الحل، ولا يمكن تقييد حركة السوق بناء على توقعات زمنية بعيدة تفصلها عن الواقع فجوات مناخية وتكاليف إنتاج غير مستقرة.

بين المواد الستة التي تضمنها القرار رقم /10/ والمدد الزمنية التي حددها، يرى الخبراء أن حماية المنتج المحلي لا تبدأ بإغلاق الحدود، وإنما بدعم الفلاح في أرضه وتأمين المطارح التسويقية لمنتجه، مع ضمان ألا يتحول منع الاستيراد إلى أداة ضغط على المستهلك الذي لم يعد قادراً على تحمل المزيد من القرارات المرهقة لفاتورته المعيشية.

الثورة

تعليقات الزوار
  1. تعليقك
  2. أخبرنا قليلاً عن نفسك