هل تبدأ مرحلة الإصلاح الاقتصادي في سوريا من بوابة التشريع؟
الاقتصاد اليوم:
مع اقتراب الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب السوري بتشكيلته الجديدة، يبرز هذا الاستحقاق بوصفه أول محطة تشريعية بعد سقوط النظام المخلوع، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الدور المنتظر للمجلس في صياغة ملامح المرحلة المقبلة، سياسياً واقتصادياً، ولا سيما في ما يتعلق بملف الإصلاح الاقتصادي، الذي يشكل أحد أكبر التحديات أمام سوريا بعد سنوات طويلة من العقوبات وتراجع فعالية المنظومة القانونية والتشريعية.
وتتجه الأنظار إلى السلطة التشريعية الجديدة، باعتبارها الجهة المنوط بها إقرار القوانين التي ستحدد شكل الاقتصاد السوري خلال السنوات المقبلة، في ظل مطالب متزايدة بإعادة صياغة المنظومة القانونية بما يواكب متطلبات التعافي وإعادة الإعمار، ويؤسس لاقتصاد أكثر انفتاحا وتنافسية وعدالة.
ويرى اقتصاديون أن المرحلة الحالية لا تحتاج إلى قرارات مؤقتة بقدر حاجتها إلى تشريعات عصرية مرنة تنظم الأسواق، وتحارب الاحتكار، وتشجع الاستثمار، وتعيد هيكلة النظامين الضريبي والجمركي، وتوفر بيئة قانونية مستقرة تعيد الثقة للمستثمرين المحليين والأجانب.
وتشير بيانات نشرتها مواقع اقتصادية متعددة، إلى أن سوريا ليست أمام تجربة جديدة بالكامل، إذ سبق أن سجل اقتصادها خلال سبعينيات القرن الماضي معدلات نمو قاربت 10% سنوياً، مدفوعة باستثمارات تراوحت بين 25 و30% من الدخل القومي، قبل أن تتراجع تلك المؤشرات على خلفية الأحداث السياسية والجرائم التي ارتكبها حافظ الأسد وتسببت بانحسار التمويل الخارجي وتباطؤ الإصلاحات الاقتصادية، وهو ما يجعل التشريع اليوم أحد أهم مفاتيح استعادة النمو.
تشريعات قبل الأموال
يقول الخبير الاقتصادي عبد المجيد سليمان، لموقع تلفزيون سوريا، إن المستثمر لا يبحث فقط عن الأرباح، وإنما عن القانون الذي يحمي استثماره، فحتى أكبر رؤوس الأموال لن تدخل سوقا لا تعرف فيه كيف تُفرض الضرائب، أو كيف تُحل النزاعات، أو كيف تُطبق العقود.
ويضيف أن التجربة الاقتصادية السورية ما بعد التحرير أظهرت أن الاعتماد على الموارد المؤقتة لا يمكن أن يشكل بديلاً عن الإصلاحات، فبعد أن تراجعت المساعدات الخارجية من نحو 1.5 مليار دولار سنوياً في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات إلى نحو 300 مليون دولار في منتصف الثمانينيات، برزت الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد وما زالت سوريا تعاني منها حتى اليوم.
كما أن ارتفاع عائدات النفط في التسعينيات إلى ما بين 1.2 و2 مليار دولار سنويا وفر متنفسا ماليا مؤقتا، لكنه لم يغنِ عن الحاجة إلى إصلاحات مؤسسية وتشريعية كبيرة لم تحصل، وهذه من أولى مهام مجلس الشعب التي يجب أن يعمل عليها، فالتجربة السورية أظهرت أن الاعتماد على الموارد المؤقتة لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإصلاحات الهيكلية، إذ إن تراجع المساعدات الخارجية في ثمانينيات القرن الماضي كشف هشاشة البنية الاقتصادية، بينما وفرت عائدات النفط لاحقاً متنفساً مؤقتاً من دون أن تعالج المشكلات البنيوية.
بين حرية السوق وحماية المستهلك
ويواجه مجلس الشعب الجديد اختباراً اقتصادياً مبكراً يتمثل في قدرته على سنّ قوانين تحدّ من الاختلالات المتراكمة في الأسواق، ولا سيما ملف الأسعار الذي بات يمسّ حياة السوريين اليومية ويرتبط مباشرة بقدرتهم الشرائية ومستوى معيشتهم.
يقول سليمان إن تحرير الأسعار لا يعني ترك السوق من دون رقابة، بل يتطلب وجود مؤسسات قوية تمنع التلاعب والاتفاقات السرية والاحتكار، ويرى أن الدولة مطالبة بالانتقال من دور التاجر إلى دور المنظم، عبر مراقبة المنافسة وضمان الشفافية، بدلا من التدخل المباشر في كل تفاصيل السوق، لأن استقرار الأسعار لا يتحقق عبر التسعير الإداري وحده، بل بوجود سوق تنافسية تمنع الاحتكار وتشجع زيادة الإنتاج.
ويرى أن مجلس الشعب الجديد سيكون مطالبا بإقرار تشريعات تحقق التوازن بين تحرير الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية، بحيث تنتقل الدولة من دور المتدخل المباشر في التسعير إلى دور المنظم والرقابي الذي يضمن المنافسة والشفافية ويحمي المستهلك.
الطريق إلى خفض الأسعار
لم يعد الحديث عن الإصلاح الاقتصادي في سوريا ترفا سياسيا أو اقتصاديا، بل أصبح شرطا أساسيا لإعادة بناء الدولة والسوق معا، فبعد سنوات طويلة من الفساد المالي ونهب النظام المخلوع لمقدرات الدولة، والانكماش الاقتصادي، تقف سوريا أمام تحد مزدوج يتمثل في إعادة الإعمار من جهة، وإعادة صياغة القوانين التي تحكم الاقتصاد من جهة أخرى.
ويقول الاقتصادي عبد المجيد سليمان إنّ "غياب المنافسة يجعل المستهلك يدفع ضعف الثمن، بينما تؤدي المنافسة الحقيقية إلى تحسين الجودة وخفض الأسعار وتشجيع الابتكار".
ويرى أن إصدار قانون عصري للمنافسة ومنع الاحتكار سيكون من أهم التشريعات المطلوبة خلال المرحلة المقبلة، فرغم اختلاف أشكال الاحتكار، إلا أن نتائجه واحدة، ارتفاع الأسعار، وانخفاض الجودة، وإقصاء صغار المستثمرين.
من جانبه يشير رجل الأعمال خالد الزعّال إلى أن "السوق لا يمكن أن ينمو إذا كانت قطاعات كاملة تدار من قبل عدد محدود من الشركات أو التجار" مطالبا بإنشاء هيئة مستقلة للمنافسة تمتلك صلاحيات التحقيق وفرض الغرامات على الممارسات الاحتكارية، بما يحقق عدالة السوق ويشجع دخول مستثمرين جدد.
أكثر من قانون
يعد الاستثمار أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، إلا أن الخبراء يؤكدون أن إصدار قانون جديد للاستثمار وحده لا يكفي، فالاستثمار يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل استقرار التشريعات، وسرعة التقاضي، وتبسيط إجراءات الترخيص، وتوفير البنية التحتية والأمن، إضافة إلى مكافحة الفساد الإداري.
يقول رجل الأعمال والمستثمر الصناعي خالد الزعّال، لموقع تلفزيون سوريا، إن المستثمر يستطيع تحمل المخاطر الاقتصادية، لكنه لا يستطيع تحمل الغموض القانوني، مشيرا إلى أن إعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية وتحسين الحوكمة تمثلان عناصر أساسية لجذب الاستثمارات المحلية والخارجية.
كما يعتبر أنّ النظام الضريبي الحالي بحاجة إلى مراجعة شاملة تحقق العدالة وتوسع القاعدة الضريبية بدلا من زيادة الأعباء على المكلفين، كما أن الضرائب يجب أن تشجع الإنتاج، لا أن تعاقبه.
ويطالب الزعّال بإدخال أنظمة إلكترونية للفوترة والتحصيل، وتخفيض التعقيدات الإدارية، وإلغاء الرسوم المتكررة التي تزيد تكلفة الإنتاج، فاستقرار السياسة الضريبية يعد من أهم العوامل التي ينظر إليها المستثمر قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
بوابة الاقتصاد في سوريا
وفي سياق متصل، وتؤدي الجمارك دوراً محورياً في حماية الصناعة الوطنية وتنظيم التجارة الخارجية، على أن تكون الرسوم الجمركية جزءاً من سياسة اقتصادية متكاملة توازن بين حماية المنتج المحلي، ومنع الاحتكار، وعدم رفع تكاليف الإنتاج.
ويقول سليمان إن الجمارك ليست أداة لزيادة الإيرادات فقط، وإنما وسيلة لتنظيم السوق، كما يدعو إلى رقمنة الإجراءات الجمركية، وتقليل زمن التخليص، وتوحيد الرسوم، بما ينعكس على أسعار السلع داخل الأسواق، وتلك من أهم ما يجب أن يبحثه مجلس الشعب.
اقتصاد كامل وليس إسمنتا
يرى اقتصاديون أن مرحلة إعادة الإعمار في سوريا لا يمكن أن تنجح ما لم تُترجم إلى حزمة إصلاحات تشريعية شاملة، يكون في مقدمتها تنظيم سوق العقارات وإعادة ضبط آليات البيع والإيجار بما يحدّ من الفوضى الحالية ويضمن التوازن بين العرض والطلب.
ويؤكد سليمان أن ارتفاع الأسعار والتقلبات الحادة في سوق العقارات يعكس غياب منظومة قانونية حديثة، خصوصا فيما يتعلق بتنظيم عقود الإيجار، والحد من المضاربات التي تفاقم أزمة السكن.
وفي هذا السياق يرى أنّ مسؤولية مجلس الشعب الجديد تبرز باعتباره جهة تشريعية في صياغة المرحلة المقبلة، من خلال إصدار قوانين عصرية لإدارة السوق العقاري، وتحديث التشريعات القديمة التي لم تعد قادرة على مواكبة الواقع الاقتصادي الجديد.
كما يُنتظر منه إقرار قانون شامل للإيجارات يوازن بين حقوق المالك والمستأجر، ويضمن استقرارا طويل الأمد للعقود، إضافة إلى إنشاء قاعدة بيانات وطنية للعقارات تُسهم في ضبط الأسعار وتعزيز الشفافية.
ويشدد سليمان على أن أي خطة لإعادة الإعمار ستظل ناقصة ما لم تُرافقها إصلاحات في البيئة القانونية، تجعل من الاستثمار في السكن والإسكان نشاطا منظماً وجاذبا، وتضع حدا لاضطراب السوق الذي ينعكس مباشرة على حياة المواطنين ومعيشتهم "السوق يحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية توثق عمليات البيع والإيجار، وتحد من المضاربات التي ترفع الأسعار."
ويقترح إصدار قانون حديث ينظم عقود الإيجار، ويحمي حقوق المالك والمستأجر، ويشجع الاستثمار في الإسكان، خاصة مع توقعات بزيادة الطلب خلال مرحلة إعادة الإعمار.
يرى خبراء أن الإصلاح الاقتصادي لن يتحقق بقرارات منفردة أو إجراءات مؤقتة، بل يحتاج إلى رؤية تشريعية متكاملة تعيد رسم العلاقة بين الدولة والسوق، فالتنافسية والاستثمار والضرائب والجمارك وحماية المستهلك وتنظيم العقارات وإعادة الإعمار، جميعها حلقات في سلسلة واحدة، وأي خلل في إحداها سينعكس على بقية المنظومة.
ويجمع اقتصاديون على أن نجاح المرحلة المقبلة في سوريا لن يقاس بعدد القوانين الصادرة، وإنما بقدرتها على خلق اقتصاد أكثر شفافية، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على جذب الاستثمار وتحقيق النمو المستدام، بما ينعكس في النهاية على حياة المواطن ومستوى معيشته.
تلفزيون سوريا











