هيكلة جديدة لوزارة سورية.. ما أبعاد فصل الصناعة والتجارة عن الاقتصاد؟
الاقتصاد اليوم:
تمثل خطوة إعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية في سوريا وفصل الشؤون الصناعية والتجارية عن إدارة الاقتصاد الكلي "تصحيحا لمسار سابق وإلغاء لدمج أثقل كاهل الوزارات بالأعباء والتناقضات"، بحسب قراءات تحليلية لخبراء في الاقتصاد.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر، أمس الاثنين، مرسوما ينهي دمج قطاعات الصناعة والتجارة في وزارة الاقتصاد، من خلال الإعلان عن تعيين المهندس باسل عبد العزيز عبد الحنان وزيرا للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك.
ويعود دمج قطاعات الصناعة والتجارة في وزارة الاقتصاد إلى 29 مارس/ آذار 2025 عند الإعلان عن الحكومة السورية الحالية التي أُنشئت بموجبه "وزارة الاقتصاد والصناعة" وتولى حقيبتها محمد نضال الشعار.
تصحيح مسار الدمج ودعم الإنتاج
ويشير الدكتور عبد الناصر الجاسم، أستاذ إدارة الأعمال، إلى أن خطوة الفصل بين كيانين كبيرين وفاعلين في الاقتصاد – وهما وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية من جهة، ووزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك والصناعة من جهة أخرى – تعد في جوهرها "تصحيحا لخطأ سابق".
وأوضح الجاسم أن الوزارة في شكلها المدمج كانت مثقلة بالأعباء والمهام، حيث كان منوطا بها التخطيط للتجارة الخارجية والصادرات والواردات، إلى جانب مراقبة الأسواق وحماية المستهلك وتنشيط الصناعة، مما "أنشأ تضاربا في المصالح وتناقضات إدارية في ظل عدم توافر الإمكانات الكافية"، وهو ما تسبب في تعثرها بمسارات تحقيق أهدافها.
ويرى الجاسم أن هذا الفصل سيتيح فرصة أكبر للتركيز والتخصص، لتضطلع وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية بمهمتها الإستراتيجية، بينما تتفرغ وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك والصناعة لمهامها التنفيذية والداخلية.
وعن فرص نجاح هذه الهيكلة، يرهن الجاسم الأمر بتوافر الإمكانات والإرادة السياسية، والدعم الحوكمي والقانوني والتشريعي، مشددا على ضرورة أن "يُنجز الفصل بطريقة سلسة وبوقت قصير لتحديد المهام والصلاحيات بوضوح"، مع رفد الوزارتين بنخبة من الخبراء والتكنوقراط المتخصصين، معتبرا أنه "دون توافر هذه العوامل سيبقى الفصل مجرد إجراء على الورق"، مؤكدا "الضرورة القصوى لنجاح الكيانين الإداريين في المراحل الانتقالية وفي السياق السوري تحديدا".
تحفيز الإنتاج الوطني
من جهته، أكد الدكتور علي كنعان، عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، أن خطوة فصل وزارة الصناعة عن وزارة الاقتصاد تعد "هامة في تشجيع ودعم الإنتاج الصناعي"، موضحا أن هذه الوزارة "كانت وما زالت من الوزارات الهامة والقيمة في دعم الإنتاج الصناعي ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة".
وأضاف كنعان أن "تخفيض قيمة المواد الداخلة في الصناعة، من تخفيض الرسوم الجمركية وزيادة حجم القروض للقطاع الصناعي، سيشجع الصناعيين والحرفيين على زيادة الإنتاج وتصنيع المواد الأولية".
وبيّن عميد كلية الاقتصاد النتائج الإيجابية المرتقبة على سوق العمل والاقتصاد الكلي، مؤكدا أن ذلك "يؤدي إلى تشغيل العمالة الوطنية، ويؤدي ذلك إلى زيادة الإنتاج والمزيد من الصادرات، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة النمو الاقتصادي".
وفنّد كنعان المخاوف المتعلقة باستقرار الأسعار جراء إعادة الهيكلة والتنسيق بين الجهات المعنية، مشيرا إلى أن "هذا الأمر لا يؤثر في تشكل الأسعار أو زيادة أو تخفيض الأسعار"، متوقعا أن تنعكس الهيكلية الجديدة إيجابا على حركة الاستثمار المحلي، قائلا إن "كلاهما ينعكس على الاستثمار وتشجيع الاستثمارات الوطنية"، بحيث يتاح للمستثمر تأسيس شركته وإخراج سجله الصناعي ضمن إجراءات ميسرة، ليقوم "بإجراءاته كاملة من ترخيص وتأسيس وتطوير للعمل التجاري والصناعي معا".
تساؤلات حول آليات التنفيذ
كما أثار قرار إعادة التشكيل موجة من ردود الفعل التي تراوحت بين الترحيب والمطالبة بتوفير بيئة تنافسية عادلة، وبين التساؤل عن حدود التداخل بين المهام.
فمن جهة القطاع الصناعي، رحّب أنس طرابلسي، عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها، بقرار التفكيك واصفا إياه بـ "خطوة طال انتظارها للتركيز على معوقات الإنتاج الوطني وتحقيق منظومة تنافس عادلة"، مؤكدا على متطلبات المرحلة المقبلة للصناعة التي "تحتاج تحقيق عدالة تنافسية لتبقى على قيد الحياة".
بينما رأى باسل كويفي، الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، أن "فصل وزارة الاقتصاد عن الصناعة قد يحقق تخصصا أعمق"، موضحا مبررات هذا التخصص بالحاجة إلى أن "تتفرغ وزارة الاقتصاد لاتفاقيات التجارة الدولية والصادرات وسياسات سعر الصرف بالتنسيق مع البنك المركزي ووزارة المالية، بينما تمنح وزارة الصناعة أولوية قصوى لمعالجة مشاكل عوامل الطاقة وتأمين المواد الأولية وتحديث المدن الصناعية".
وفي المقابل، أثار محمد صالح الفتيح، المحلل في الاقتصاد السياسي، تساؤلا جوهريا حول دمج الصناعة والتجارة الداخلية في حقيبة واحدة، موضحا أن "حماية المنتج المحلي (الصناعة) وحماية المستهلك (التجارة الداخلية) هما وظيفتان يوجد بينهما تضارب مصالح واضح"، متسائلا عن "مبرر جمعهما في وزارة واحدة، وبقاء وزارة الاقتصاد مستقلة؟".
من جانبه، شدد الناشط الإعلامي خلدون عبد الله على أن العبرة تكمن في طريقة الإدارة وليس مجرد التقسيم الإداري، مشيرا إلى أن "الأهم من إعادة تشكيل الوزارات هو تفعيل المجلس الاقتصادي ومنحه دورا حقيقيا في تنسيق السياسات الاقتصادية"، مؤكدا أن "المشكلة ليست بعدد الوزارات، بل في كفاءة العمل ووضوح الصلاحيات وتحقيق نتائج ملموسة".
السيرة الذاتية
وينتمي الوزير الجديد إلى خلفية تجمع بين المؤهلات الهندسية وإدارة القطاعات الاقتصادية، إذ إنه حاصل على درجة البكالوريوس في هندسة الطاقة من جامعة حلب عام 2009، إلى جانب تلقيه دورات في دراسات الجدوى الاقتصادية، والتخطيط الإستراتيجي، وإدارة الموارد البشرية.
وعمل عبد الحنان محاضرا سابقا في كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة حلب، وكان قد شغل منصب وزير الاقتصاد والموارد في "حكومة الإنقاذ" منذ عام 2020 حتى سقوط النظام المخلوع، ثم تولى إدارة وزارتي الصناعة، والاقتصاد والتجارة الخارجية في حكومة تصريف الأعمال التي تشكلت فور سقوط نظام الأسد، وصولا إلى صدور المرسوم الرئاسي بتعيينه وزيرا للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك.
ويأتي هذا المرسوم بعد يوم واحد من إصدار الرئيس الشرع مرسوما بتعيين ماهر خليل الحسن رئيسا تنفيذيا للشركة السورية للبترول، ومرسوم آخر بتعيين المهندس عمر سامر الحلبي مستشارا رئاسيا للشؤون الاقتصادية ورئيسا لمجلس إدارة الصندوق السيادي.
المصدر: الجزيرة











